ويعالج السياق طائفة من الأفكار الخاطئة التي يتشبث بها المتسلطون والمترفون لدعم مواقعهم القيادية ، منها الزعم أنه لولا رضا الله عنهم لما أوسع عليهم نعمة .
إذن فما في يد الكفار والطغاة من نعيم ليس دليلا على حب الله لهم ، ولا على صحة منهجهم في الحياة . . بلى ؛ إن عندهم مالا ممدودا ، وأتباعا كثيرين وأبناء ، وممهدة لهم وسائل العيش الرغيد ، الذي لا يشبعون منه ، بل يطمعون في زيادته . . ولكنهم ضالون عن الصراط السوي ، جاحدون لآيات الله . . وبالتالي مستحقون لعذابه وانتقامه ، والمقياس السليم للتقييم ليس المادة ، بل القيم ، وليس الدنيا بل الآخرة ، والمترفون على عناد مع قيم الحق ، وخاسرون في الآخرة ، فهنالك لا يبقى لهم نعيم ولا أنصار ، ولا مقام احترام كما هم في الدنيا ، بل يتبدل واقعهم إلى قطع من العذاب الأليم والمهين ، وتصبح كل نعمة أعطيت لهم وبالا عليهم حيث لم يؤدوا شكرها . . فهم أشد الناس عذابا لأنهم قد أملي لهم من فضل الله ، ومن ألم ما يلقون عذابا الصعود المرهق ( الآيات : 11 - 17 ) .
وليس إرهاقهم بالعذاب مجرد انتقام عبثي ، بل هو انتقام متأسس على الحساب الدقيق والحكمة والعدل ، فإنك حيث تحقق في سببه تجده منهجيتهم الخاطئة والضالة في الحياة ، والتي ترتكز على التفكير المنحرف والتقديرات الخاطئة . . فإنها حقًّا هي المسؤولية عما يحل بهم من اللعن والقتل والعذاب ، فهم الذين عبسوا وبسروا ثم أدبروا واستكبروا ، وكان هذا موقفهم من الحق قيما وقيادة وحزبا ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك حينما رموا الحق بالتهم الرخيصة الباطلة ، فقالوا : إِنْ هذا إِلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، وقالوا : بل هو من صنع البشر وليس رسالة من الله . . من دون دليل إلا للطعن فيه والتهرب من مسؤولية الإيمان ، وإلا لتضليل الناس عن طريق الهدى وسبيل الرشاد ( الآيات : 18 - 25 ) .
من هنا كان حقَا أن يعذب الله الكفار المعاندين باعتبارهم يبارزون رب العزة ويحاربون الحق ، وبالذات كبراؤهم والملأ المترفين منهم ، كالحكام الطغاة ، وأصحاب الثروة ، وأدعياء العلم ، ولذلك يتوعد الجبار واحدهم بأشد العذاب ، ويؤكد ذلك لرسوله ( ص ) وكل رسالي يقف على خط المواجهة وفي جبهة التحدي والصراع ضد الباطل بأنه سيصلي أعداءه وأعدائهم سقر ، وهي أشد أقسام النار تلظِّيا وحرارة ورهبة بحيث لا يمكن لبشر أن يتصورها ويدري ما هي ، إلا أن القرآن يشير إلى بعض صفاتها
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 278
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٨