ورميما . هل يحسب أن قدرة الله محدودة مثله ؟ كلا . . قدرته تفوق تصور البشر . . فهو ليس قادرا على جمع عظامه وحسب ، وإنما يقدر أن يسوي بنانه أيضا ، والإنسان حينما يراجع نفسه ويتفكر في آيات قدرة الله في الطبيعة فإنه يعرف تلك الحقيقة ، ولكنه إنما يخترع تلك الأفكار تبريرا للهروب من عرصة المسؤولية ، والإيمان بالرسالة التي تحدد تصرفاته ولا تجعله مطلقا يتبع الهوى كما يريد . . ويؤكد القرآن مرة أخرى أن هذه هي الخلفية الحقيقية لسؤاله عن القيامة ( الآيات : 3 - 6 ) .
ويداوي ربنا هذا المرض المستعصي في النفس البشرية بالتأكيد للإنسان أنه وإن استطاع مؤقتا ( في الدنيا ) تبرير ضلاله والفرار من المسؤولية تحت غطائه فإنه لن يجد في المستقبل مفرًّا من ربه حينما تقوم القيامة فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ( 7 ) وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وعبر قنطرة الدنيا الفانية إلى دار الاستقرار عند الله ، فهنالك يجد نفسه وجها إلى وجه مع حقيقة أمره حيث يجد ما عمل محضرا أمامه ( الآيات : 7 - 13 ) .
ويثير الوحي فينا حس النقد الذاتي ، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية مُسَلَّمة ، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه ، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها ، مهما توسَّل بالأعذار والتبريرات الواهية ، وإنما يؤكد القرآن هذه الحقيقة لأن المراقبة الذاتية أعظم أثرا ، وأرسخ للتقوى في شخصية الفرد ( الآيات : 14 - 15 ) .
ثم ينعطف السياق إلى الحديث عن القرآن نفسه ، داعيا الرسول إلى عدم التعجل به من قبل أن يُقضى إليه وَحْيُه ، مؤكدا تكفله تعالى بجمعه وقرآنه ثم بيانه للناس . . وهذا مما جعل المفسرين يتحيرون في فهم العلاقة بين سياق السورة وبين هذا المقطع ، إلا أن هناك علاقة متينة سنتعرض لإيضاحها في البينات ( الآيات : 16 - 19 ) .
وتهدينا الآيات إلى واحد من عوامل الانحراف وعدم تحمل المسؤولية عند الإنسان ، والذي لو استطاع التغلب عليه لاهتدى إلى الحق ، وسقط الحجاب بينه وبين الآخرة ، ألا وهو حب العاجلة ( الدنيا ) على حساب الآخرة ، والبحث عن النتائج الآنية وإنكار الجزاء الآجل ولو كان الأفضل ، بل ولو كان مصيريًّا بالنسبة إليه ، فهو يعيش لحظته الراهنة دون التفكير في المستقبل ، وهي نظرة ضيقة خطيرة . وحين يفشل الإنسان في الموازنة بين الحاضر والمستقبل ، وبين الدنيا والآخرة فإنه يخسرهما معا ( الآيات : 20 - 21 ) .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 283
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٣