تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
ثالثاً : وفي المرة الثالثة يحذِّرنا السياق من الجدال في آياته ، مبيِّناً - هذه المرة - الجذر النفسي لهذه اللعنة التي تصيب القلب ، وهي الكبر الذي لن يبلغه صاحبه . وبعد أن يأمرنا بالاستعاذة بالله العظيم يهدينا إلى عظمة خلق الله للسماوات والأرض ، ويوحي إلينا أن الكبر عمى والإيمان بصيرة ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، ثم يأمرنا بالدعاء لأنه شفاء من الكبر ( الآيات : 56 - 60 ) . وحسب المنهج القرآني الفريد ، فإن الله يلقي على الأفئدة السليمة آياته ( الآيات : 61 - 62 ) ثم يحذِّرمن الجحود بها ، لأن من يجحد بها يؤفك عن الحق ( الآية : 63 ) . ويعود يذكرنا بآياته المبصرة ، وبأنه الحي الواحد ، ويأمر رسوله بتحدي آلهة الزيف ، ويذكرنا بأنه يحيي ويميت ( الآيات : 61 - 68 ) . رابعاً : ينهى عن الجدال في آيات الله ( الآية : 69 ) وينذر الذين كذبوا بالكتاب بأنهم سوف يعلمون أي جريمة اقترفوا ، وذلك حين توضع الأغلال في أعناقهم وفي السلاسل يُسحبون . ( الآيات : 70 - 71 ) . وكذلك يعالج داء الجدال بالتحذير من عاقبته الأخروية ( الآيات : 72 - 76 ) ، ويُجمل السياق في خاتمة السورة بصائرها ، من الأمر بالصبر ( الآية : 77 ) اتباعاً لسنة الأنبياء ( عليهم السلام ) ، والتحذير بعاقبة الاستهزاء ( الآية : 78 ) والتذكرة بآية الله في خلق الأنعام ، والأمر بالسير في الأرض للنظر في عاقبة المكذبين ، وكيف دُمرِّوا فلم يغن عنهم ما كانوا يكسبون ، وذلك أنهم حينما أنذرهم الرسل فرحوا بما عندهم من العلم ، فحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ( الآيات : 79 - 83 ) . بلى ؛ إنهم آمنوا في اللحظة الأخيرة حين رأوا بأس الله ، ولكن سنَّة الله جرت بألا ينفع الإيمان في ذلك الوقت ، وأنه قد خسر هنالك الكافرون ( الآيات : 84 - 85 ) . وكلمة أخيرة : إن الحقائق الكبرى الثلاث التي تحيط بالخليقة ( التوحيد والبعث والرسالة ) شواهدها وآياتها مبثوثة في الآفاق والأنفس ، إلا إن حجباً سميكة تغطي البصائر عن رؤيتها والتفاعل معها ، وتؤدي إلى الجدال في آياتها ودلائلها ، والقرآن الكريم شفاء للقلب من تلك الحجب ، وفي هذه السورة المباركة نجد نهجاً بديعاً وشفاءً سريعاً ، وعلينا فقط أن نلقى السمع إلى آياتها بلا جدال .