تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
من هنا ؛ نجد القرآن العظيم يحدثنا في قضية التوحيد عن ضرورة التخلص من الشرك ، وفي كل مرة يحدثنا عن بعض ألوان الشرك ، ثم إن الناس في خضوعهم للمادة مختلفون ، فمنهم من يخضع بكل صراحة ، ومنهم من يستخدم سلاح التبرير . وهكذا كان نسف قواعد التبرير من أبرز الأهداف القرآنية . وبما أن التبريرات تختلف من قوم لآخرين ، بل حتى بين الأفراد أنفسهم الذين ينتمون إلى مذهب شركي واحد ، لذا ؛ يعالج القرآن الحكيم كل تبرير بصفة مستقلةومختلفة . ويستمر السياق القرآني لهذه السورة في بيان نموذجين من الناس ، ويوازن بينهما لنعرف أنهما ليسا سواءً في الجزاء ؛ ولكي يزيدنا وعيًّا بهما وازن بين النور والظلام ، والصلاح والفساد ، ووضح الفوارق بيَّنهما . كما بينت السورة خصائص القرآن ، وكيف تتلقاه النفوس الطيبة ، وكيف يضرب الله فيه من كل مثل للناس لعلهم يتذكرون . وحينما يشرح الله صفات القانتين - وهم أئمة الهدى - وميَّزهم عن أصحاب النار من أئمة الكفر ، عاد إلى بيان أشياعهم ؛ فهناك من يجتنب الطاغوت ، ويستمع القول فيتبع أحسنه ، وهناك من حقّت عليه كلمة العذاب . ثم تذكرنا الآيات بالعقل الذي هو لب الإنسان ، الذي يهدي الله به قوماً ، فيجعلهم من أصحاب الجنة . ويوقظ العقل بآيات الله في الخليقة ، حيث يذكرنا بالدورة النباتية التي تبدأ بنزول الغيث واختزان الماء في الينابيع وإخراج الزروع المختلفة ، وتنتهي بالحطام . وتعالج السورة موضوعاً هاماً آخر ، وهو شرح الصدر إلى الإسلام ، والتسليم لله ولسننه وشرائعه في الحياة ، ليكون الإنسان على نور وبينة من ربه . وتهبط آيات القرآن كالصاعقة على القلب الغافل ، فتفجر فيه طاقات الفهم ، وتثير فيه دفائن العقل ، فتهديه إلى حقيقةالموت الذي يقف لكل حيِّ متربصاً ، ولكن الموت أهون المراحل التي تنتظره ، فوراءه ما هو أعظم ، كالاختصام والحساب والكتاب وربما العذاب الأبدي الكبير . وفي مقطع من مقاطع هذه السورة ، يذكِّرنا ربنا برحمته الواسعة ، وإلى أي مدىً يمكننا الاستفادة منها . أوليس الله أنعم علينا برزقه الواسع ، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ؟
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 177 | السيد محمد تقي المدرسي