مراد السورة بيان زيف السلطات القائمة على أساس القوة والثروة ، وسائر القيم المادية الأخرى ، وضرورة إقامة حكومة العدل الإلهية القائمة على أساس أمر الله وخلافته ، وأن أساس الولايات الباطلة العزة والشقاق ، بينما أساس الولاية الربانية الحق .
إن فتنة القوة في الحياة ؛ فتنة كبيرة وخطيرة ، ومن تخلص من غرورها ، فإنه يتغلب على سائر الفتن بصورة أسهل . . ذلك أن الإنسان يقتحم الصعاب ويركب الأهوال والمخاطر من أجل السلطة ، فإذا تنازل عنها أو بلغها ولم يسخرها إلا في سبيل الخير ، فإنه آنذاك سينتصر على أهوائه وعلى الضغوط المحيطة به .
وفي الوقت الذي حدثتنا هذه السورة عمن صرعتهم هذه الفتنة فراحوا يعتزون بقوتهم ويتحدون ربهم ويعتزون بآلهتهم التي تمثل رموز ومظلات سلطتهم ، ويخالفون ولاية الله باسمها ، وهم الملأ من الكفار ، يضرب لنا هذا الدرس القرآني مثلًا حياً من واقع النبي داود ( ع ) الذي تجاوز هذه الفتنة رغم امتلاكه القوة الظاهرية .
ونستوحي من إعطاء الله السلطة وولاية الأمر لداود ( ع ) بعد استقامته على الحق ، أنه تعالى لا يعطي ولايته إلى كل سلطان ، إنما للذين يمتلكون ناصية الملك ولا تمتلكهم .
وتعالج آيات أخرى من السورة موضوع الصبر الذي اشتهر به النبي أيوب ( ع ) ولكن في إطار الحديث عن العلاقة السليمة بالسلطة والثروة والعافية ، هذه النعم التي ينبغي أن لا تستعبد البشر ، فلا يستبد به الغرور إذا رزق منها شيئاً ، ولا يقتله اليأس إذا زويت عنه .
ثم تضرب لنا الآيات التي تليها مثلًا من واقع أصحاب النار الذين عصوا الله وحاربوا المؤمنين وطغوا في الأرض .
وفي الآيات الأخيرة من السورة - وكعادة القرآن الكريم - يؤكد السياق على الموضوع الأساسي فيها ، وذلك ضمن بيان ما جرى بين رب العالمين والملائكة ، ثم بينه وبين إبليس . ومغزاه الكشف عن طبيعة الإنسان والأسباب الحقيقية التي تهبط به وترديه ، فإذا به وقد كرّمه الله تعالى على كثير من الخلق ينتهي إلى أسوءِ مصير .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 175
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٥