تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
البشر والدواب والأنعام ، ووعي العلماء لإشارات هذا الاختلاف ، وأنهم المصطفون الذين أورثهم الله الكتاب على اختلاف مستوياتهم ، وجزاؤهم الحسنى عند ربهم ، ولعل هذا المحور يتصل بالمحور الأول في بيان نموذج حي عمن اتبع رضوان ربه فهداه الله إلى السبيل القويم للعزة والغنا والجزاء الحسن . ألا ترى إلى الغيث حين ينزل من السماء يخرج الله به ثمرات مختلفا ألوانها ؟ إن في ذلك لآية على التدبير وحسن التقديرودقة النظم ، وأن الله مهيمن على الخليقة . وإذا نظرت إلى الجبال رأيت فيها جدداً بيضاً وحمراً وغرابيب سود ، وهي تشهد بطبقات الصخور في الأرض ذات الطبيعة المختلفة ، وتشهد أيضاً على السيطرة التامة . وهكذا الناس والدواب والأنعام كل منها مختلف ألوانه ، واختلاف اللون مع وحدة الخصائص يشهد على حسن التدبير ، كما يشهد على أن الخليقة تختلف . وهكذا الناس ليسوا سواء في درجاتهم ، فليس سواء عالم وجهول ، إنما يخشى الله من عباده العلماء ، وإن الذين يتاجرون مع الله بتلاوة الكتاب ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق في سبيله سراً وعلانية ، فان تجارتهم لن تبور ، وأن الله يزيدهم من فضله ، وهو غفور وشكور ( الآيات : 27 - 30 ) . والكتاب الذي أنزل على الرسول ( ص ) حق ويصدق الذي بين يديه ، وقد أورثه الله الذين اصطفاهم من عباده ( وهم ورثة الأنبياء من علماء أهل بيت الرسول ( ص ) فمنهم ظالم لنفسه ( إذ لم يتحمل علم الكتاب كماينبغي ، بل خلط عملًا صالحاً وآخر سيئاً ) ، ومنهم مقتصد ( قد حمل الكتاب بقدر مناسب ، وهو العالم الرباني الذي يصوم نهاره ويقوم ليله ) ، ومنهم سابق بالخيرات ( وهو الإمام الذي بلغ حق اليقين ) ( الآيات : 31 - 32 ) . وجزاؤهم جميعاً جنات عدن يدخلونها يحلون فيها أساور من ذهب ولؤلؤاً ، وهم يحمدون الله على ما أذهب عنهم الحزن ، بينما الكفار يخلدون في العذاب الشديد ، ولا ينفعهم الصراخ ، ويقال لهم : ألم نعمركم ما يكفيكم للتذكرة ، وأرسلناإليكم النذير ؟ ( الآيات : 33 - 37 ) . ويعود السياق لبيان أسماء الله الحسنى ، مما يوجب علينا تقواه والحذر من عقابه .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 163 | السيد محمد تقي المدرسي