ويهيء له الرب أمر الهجرة إلى مدين ، ويقدر هناك من يستقبله ( الآيات : 20 - 28 ) .
هكذا يعلم حملة رسالات الرب أن الله معهم ، وأن هناك حوادث خفية تجري رغم الطغاة لمصلحة الرساليين ، فلا يهنوا ولا يحزنوا .
باء : ولا تعني الألطاف الخفية لربنا أن ينام الرساليون على حرير الأماني ، بل عليهم توخّي الحذر دوماً ، وأن يتعالوا على الطغاة بذكاء أحدّ ، وانضباط أشدّ ، وتضحيات سخية . كيف ؟ .
يتلو علينا الرب في سورة القصص - التي نستلهم منها دروساً عظيمة في أساليب الحركة الرسالية - قصة زوج فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، اللذين كانا في الظاهر في السلطة ، ويعملون في الباطن لصالح الرسالة ، كما يبين كيف كانت الحركة حذرة ، حيث أن أخت موسى تابعت بحذر شديد تابوت أخيها ، ( ولعلها لصغر سنها أو لأنها امرأة بكر ، لم تكن تثير انتباه أحد ) .
أما النبي موسى ( ع ) فقد دخل المدينة على حين غفلة من أهلها عملًا بالتقاة ، وأذاع غوي من بني إسرائيل السر ، وورط الحركة كلها ، مما يحذرنا عن مثل ذلك ، ثم يبين القرآن كيف كان النبي موسى ( ع ) مترقباً حين خروجه من المدينة ، وكيف اختار مدين في خطة مرنة ، لأنه كان يدعو الله أبداً ليهديه سواء السبيل .
ونقرأ في موضع آخر من السورة ( الآية : 54 ) ثناء القرآن على أهل الصبر والتقية ، وهم البقية المؤمنة من أهل الكتاب ، الذين اتسموا بصفات الصبر ، ودرء السيئة بالحسنة ، والإنفاق ، والإعراض عن لغو الجاهلين وجدلياتهم . وهذه الصفات هي برامج أصحاب الرسالة في عصر التقية والعمل السري .
وفي سياق سورة القصص نقرأ عن أخلاقيات المهاجر في سبيل الله ، وفي طليعتها ؛ الإحسان إلى الناس ، والاحتفاظ بقيم الرسالة بالرغم من مشاكل الهجرة ، ووفاؤه بالحقوق ( لقد قضى النبي موسى ( ع ) أبعد الأجلين ) وتجذره في بلاد الهجرة عبر الزواج .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 135
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٥