فرعون علا في الأرض ، واستضعف طائفة من الناس . هذا ظاهر الحياة الدنيا ، أما حقيقتها ؛ فهي إرادة الله على وراثة المستضعفين ، والتمكين لهم في الأرض ، وأن يذيق فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون منهم ، وبأيدي المستضعفين أنفسهم ( الآيات : 1 - 6 ) .
لننظر كيف تتحقق هذه الإرادة العليا ؟ .
فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل الذكور ، ولكن الله يأمر أم موسى بوضع وليدها في التابوت ، وقذفه في النيل ( الآية : 7 ) .
يلتقط زبانية فرعون التابوت فيهمَّ بقتله ، ولكن يد الغيب لا تدعه ، إذ يوحي إلى زوجته أن تمنعه من ذلك ، لينمو عدوه ومادة حزنه في بيته . ( الآيات : 8 - 9 ) .
أم موسى تكاد تبوح بالسر جزعاً على وليدها ، والله يربط على قلبها ( الآيات : 10 - 11 ) .
ثم يبحثون له عن مرضعة من غير بني إسرائيل ، بيد أن الله يحرم عليه المراضع حتى يرده إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ( الآيات : 12 - 13 ) .
ولما صار موسى بالغاً من الناحية الشرعية ، وذلك بتكامله العضوي ، وتكامل عقله آتاه الله النبوة ، ولكن لم تكن النبوة بسبب قرابة بين الله وبين موسى ، بل كان جزاءً لعمله وإحسانه ( الآية : 14 ) .
ثم يستعرض القرآن لقطة من الصراع بين الرساليين وأعدائهم وموقف موسى المناصر للمستضعف الذي كان رساليًّا من شيعته ، وبعد الانتصار على عدوه يستغفر موسى ربه لكي لا يُصاب بغرور النصر ، ثم يعاهد الله أن لا يستخدم القوة والعلم والحكمة التي وهبها الله له إلا من أجل الخير ، وفي سبيل الله ، والدفاع عن الحق ، وقد تجسَّد هذا الأمر في اليوم التالي حيث استنصره الإسرائيلي على شخص آخر ، إلا أنه تبين أنه لم يكن محقاً هذه المرة ، بل أذاع سر تواجد موسى في المدينة مما أثار انتباه سلطات فرعون ( الآيات : 15 - 19 ) .
وعلى إثر ذلك يتآمر فرعون وملأه بقتله ، فيبعث الله إليه رجلًا مؤمناً ليخبره بذلك ،
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 134
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٤