وبالرغم من أن الرسل ( عليهم السلام ) قد تحملوا الصعوبات في سبيل تبليغ رسالاتهم ، إلا أنهم استطاعوا أن يغيروا أفكار البشرية ، حتى أن الأفكار الصحيحة التي نجدها في الأقوام الجاهلية لابد أن يكون الدين الإلهي مصدرها ، لأن الرسل كانوا بحق المحرك الأساسي للتاريخ البشري ، وإلا فإن البشرية كانت تسير بشكل طبيعي نحو النهاية .
ومن هنا ؛ كان لزاماً علينا أن نقف ويقف معنا التاريخ كله إجلالًا لذلك الفكر الذي يصيغ أجيالًا مؤمنة ، وأن نقف إجلالًا أمام صبر الرسل وتضحياتهم .
وفي سياق تبيان الصراع بين رسالات الله وثقافة الشعراء ، يضرب لنا الرب مثلًا من قصة النبي إبراهيم ( ع ) وقومه ، وكيف أوحى الله إليه بمقاومة الفساد العريض الذي تردّوا فيه ، فعبدوا الأصنام ؛ وحين سألهم إبراهيم ( ع ) عن ذلك ، لم يحروا جواباً ، وأصروا على التمسك بدين آبائهم الجهلة ، فأعلن البراءة منهم . .
ويؤكد النص القرآني الخاص بهذه السورة الشريفة أن محتوى رسالات الله واحد ، وإنما اختلف ظاهره بحسب اختلاف الظروف ، لأن كل رسالة استهدفت إصلاح الفساد المستشري في المجتمع الذي أنزلت فيه ، وكذب كل قوم رسولهم ، فانتصر الله للرسول وللمؤمنين ، وأهلك الكافرين بعذاب شديد .
أما الدرس المهم الآخر الذي تعكسه آيات السورة ؛ فهو أنها تحدد معالم الرسالة الإلهية وخصائصها المميزة ، وتحصر في خمس نقاط ، هي :
1 - أنها لا تختص بقوم أو أرض أو زمن .
2 - وأنها رسالة حق تعكس حقائق الحياة المادية والمعنوية ، وتمتد من الدنيا إلى الآخرة .
3 - وأنها تهدف الإصلاح الجذري الذي ينتهي إلى اقتلاع الفساد والانحراف كلية .
4 - وأنها تخاطب الناس بلغتهم ، بالضد للغة الشعراء الغامضة المعقدة . فالرسالة لغة الواقع لكشف الحقائق ، كما هي للناس .
5 - وأن خطها ممتد عبر العصور من آدم ( ع ) إلى النبي محمد ( ص ) ويشهد بها ولها العلماء المنصفون .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 127
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٢٧