جنان الله التي عرضها السماوات والأرض ؟ .
ولطالما عمد الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم إلى التمييز بين الجنة والنار . وفي هذه المرة ، أمر رسوله المصطفى ( ص ) أن يحمل الإنسان على أن يتساءل ليهزّ وجدانه ويخيّر نفسه بين الجنة والنار .
فالخير كل الخير في جنة الخلود ، والشر كل الشر في جحيم النار ، ولا مكان ثالث بينهما ، ولا مسافة تقع في البين ، بل هما حقيقتان ، حقيقتان لا غير . وهنا تكمن ، أو لنقل : تتجلى هزة الضمير ، حيث يعجز ابن آدم عن استساغة النار ، كما يعجز عن التنازل عن الجنة ، حيث لا منطقة فراغ بينهما .
بلى ؛ إن مسألة الخلود مسألة غامضة جدًّا بالنسبة إلينا نحن البشر ؛ الذين نعيش ضمن حياةٍ دنيوية مصبوغة بالسرعة والتغيُّر والزوال .
ولا يسعنا سوى القول ، فيما يخص هذه الآيات المتحدثة عن الجنة ومميزاتها : إنه لا مانع عقلي من الخلود مع تصور تعلُّقة بإرادة الله سبحانه وتعالى ، وهو الحي القيوم ؛ إذ لا يعني خلود الإنسان في الجنة انفكاكه عن قيمومية الله ، بل لعل الإنسان إذ ذاك تتجسد له حقيقة القيومية الإلهية أكثر من أي وقت مضى لدى شعوره بالخلود ، على عكس إحساسه بسيف الموت والفناء مُسلَّطًا على رقبته كما كان حاله في الحياة الدنيا .
فالقيوم أبدًا هو الله عزَّ وجلَّ ، ومن دون فيضه وبلا إذنه ومن دون عطائه المتواصل لن يكون المخلوق شيئًا مذكورًا ؛ إذ ينعدم وجوده ويتلاشى في اللاشيء .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 72
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٢