وكما أن الذنب قد يكون مضاعفًا مركبًا ضمن إطار واحد ، فكذلك يكون جزاؤه ، إذ يُرمى مُقترفه إلى جهنم مُقرَّنًا بالأصفاد وبالشياطين ، وهنالك يدعو ويلًا ثبورًا واحدًا ، إلَّا أنهم يُقرَّعون بالأمر ألَّا يدعوا ثبورًا واحدًا فقط ، بل ثبورًا كثيرًا لشمول الجزاء شركاءهم الذين خدعوهم وغرّور بهم .
في يوم الجزاء يأمر الله عز وجل المُذنب المحشور في نار جهنم ألَّا يدعو ثبورًا واحدًا ، بل عليه أن يدعو ثبورًا كثيرًا ، فلا يُلقي باللوم على غيره ، وأن يعترف بأنه مسؤول في الحقيقة عما اقترفت يداه مهما تراكمت عليه الظروف الضاغطة .
أقول :
إن الإنسان مسؤول عن عمله ؛ وإن كانت عوامل أخرى قد ساهمت في حصول ذنبه ، فهو المسؤول الأول والأخير حتى وإن كانت البيئة فاسدة ، وإن حصل من أبويه أن ربّياه على طريقة خاطئة ، وإن كانت الظروف الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية المحيطة به قد دعته إلى ارتكاب الذنب ، إلَّا أنه - شاء أم أبى - له القرار النهائي ، ولكنه حينما يخضع للظروف يخضع للآباء أو للاقتصاد أو للسياسة أو للبيئة ؛ فخضوعه كان بمحض إرادته ، وقد أعطاه الله من الإرادة الحرة ما يختار بها ما يرتئيه .
إن الأمر سيصدر إلى القابعين في جهنم بدعاء الثبور الكثير ؛ لأن ذنوبهم وإن كانت آحادًا ، إلَّا أن للذنب الواحد آفاقًا عديدة ، هم المسؤولون عما تتشعب إليه ذنوبهم من الشعب وتترك من الآثار والعواقب السلبية ، كمن يرتكب ذنبًا واحدًا في الظاهر كاستسلامه لطاغوت ظالم ، ولكنه عليه أن يدفع ثمن ما سيُرتب
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 69
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦٩