والسبب في ذلك أن من يعيش في زنزانة ذاته تراه يقدس نفسه ويُلقي باللوم أبدًا على غيره ، حتى يتطاول على ربَّه ويتَّهمه سبحانه . فإذا خرج المرء من ضيق نفسه إلى رحاب العالم وجد العكس تمامًا ، وجد أن نفسه هي المذنبة المقصرة . ولذلك يجدر بالذي يستغفر ربه أن يسبحه أولًا ، كما قال النبي يونس عليه السلام على ما جاء في القرآن : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ « 1 » .
أي أن الاستغفار إلى الله عقيدة وسلوك ينبغي أن يَلِيَا الإقرار بعقيدة التوحيد ، بل إن عقيدة التوحيد لا تكتمل لولا أن يعرف الإنسان المخلوق حقيقة منزلته ، وأين هو من ربِّه العلي العظيم . وقد ورد عن رسول الله ( ص ) ، قال : (
مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ
) « 2 » .
لأن في النفس صفات النقص والذل والتقصير والجهل ، وهي صفات دفينة في ظلمات النفس ، وقد جعلها الله تعالى - بفضله ومنّه العميم - في الوقت نفسه أدلة على مصدر النور وينبوع الخير . وهذه المقاربة بين معرفة الذات وبين معرفة الخالق إنما هي من فضله تبارك اسمه .
فالإنسان إنما يتكامل ؛ حينما ينتبه إلى ما فيه من النقص ، وكلما زادت معرفته بنواقص نفسه زادت صلته بربه حتى يستعين به لرفع تلك النواقص . ولكنه قد
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، آية 78 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 2 ، ص 32 .