تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
أهمية لمن مات قبلهم ، إذ لا حساب أخروي في حساباتهم ؛ أي أن عقولهم قد انغلقت وقلوبهم قد عميت وانعدم فيهم التفكير والاعتبار ؛ لأنهم أنكروا أصلًا فطريًّا هامًّا جدًّا ، وهو أصل الجزاء ؛ بعقابه وثواب ، وأنكروا أصل الحكمة من وجودهم وإيجادهم على الأرض في الحياة الدنيا ، واعتبروا أنفسهم مجرد كائن طبيعي ، يعيش ويفنى كبقية الكائنات غير المعنية بالحشر إلى يوم القيامة . إن الإيمان بيوم القيامة الذي يُحرض عليه القرآن المجيد وعموم المنهج الإسلامي في التفكير هو حجر الزاوية في المنهج العلمي السليم . وهكذا كان من ينكر الآخرة أعمى حتى عن معرفة الدنيا ؛ لأن الدنيا وجه واحد من الحقيقة فقط ، فكيف يُفسِّر الحقيقة من لا يرى إلَّا وجهًا واحدًا منها . ومن هنا فإن المؤمن بالآخرة يُضاعف يقينه ؛ هذا اليقين الذي يرقى بذهن الإنسان إلى مستوى أخذ العبرة ممن سبق ومن تفاصيل التاريخ ، ليجتنب المهالك وينطلق في صناعة كيان حضاري مُتميِّز محصّن عن التعرُّض للعذاب الإلهي كما تعرَّضت له الحضارات من قبل . ومن هنا ؛ يتضح أن التاريخ البشري مدرسة ، ولكنه ليس لكل الناس ، وإنما لأولئك الذين يفتحون بصائرهم لغرض الاعتبار ، وأن آثار القرى المُعذَّبة بعذاب السماء علامة مهمة من علامات مدرسة التاريخ . هذه المدرسة التي لا تهتم بالقصور الخربة والحجارة المُكدَّسة والتماثيل القديمة ، بقدر اهتمامها بما هو وراء هذه الأشياء ، من قوانين حكمتها ورسمت خارطة مسيرتها على مر السنين والقرون .