إذًا . . ولكن كان لابد من دور للإنسان وفكره وإرادته . ومن هنا ؛ وجدنا أن ربنا عز وجل يُفرِّق في سورة الفرقان المباركة بين كلماته التي هي الوحي ، وهي البيان للحقائق وبين الأمثلة الشائعة بين الناس .
وكان الفرق بينهما ، أن تلك الأمثلة التي يقتات عليها الناس . . ليست بالحقائق ؛ لأنها لا تنتهي إلى الحق ، فهي أصلًا عاجزة عن تنظيم سلوك الإنسان بحيث ينجو من عذاب الجحيم ، مهما تنمَّقت وتزيَّنت .
ونموذج ذلك أنك لو كنت حائرًا في اختيار طريق من طريقين ، فأرشدك شرطي المرور إلى أحدهما ، فيما أبلغك رجل آخر فصيح اللسان جميل الهيئة بأن الطريق المطلوب هو غير ما ذكره شرطي المرور .
ترى أيَّ القولين تعتمد ؟ . مع ملاحظة أن إرشاد شرطي المرور كان لا يعدو أن يتعدَّى بهيئته الإشارة ، فيما الآخر كان ما كان عليه من المنظر والهيئة . وتحدَّث إليك بكلمات مزخرفة وأنت تعلم بكون شرطي المرور مختصًّا بما سألت ، فيما الثاني محط شك لعدم معرفتك المسبقة به . كذلك الأمثال فإنما المثل الحق هو الذي يهديك إلى النجاة من نار جهنم . وهذا المقياس لا تجده إلَّا عند كلمات الوحي وأمثاله ، بينما الأمثال الأخرى أنَّى زُخرفت فهي مجرد كلمات فارغة .
إن من يضرب الأمثال ويُلقي الشبهات على شخص الرسول وجوهر الرسالة ، ويُكذِّب بأوضح شيء في الوجدان البشري ، وهو حتمية حدوث يوم القيامة ، إنما هو الذي ضل سبيله ، ولا يمكن
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 154
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٤