التدرُّج في بناء الأمة وتربية أبنائها على تلك البصائر الجديدة ، التي كان يصعب على الناس الارتفاع إلى مستواها دفعةً واحدةً .
وواضح أن المخاطب هنا ، هو كل شخص يرتضي القرآن دستورًا إلهيًّا وكتابَ هداية على مر العصور ، نظرًا لأن الفؤاد - فؤاد أي إنسان - أصغر من أن يستوعب القرآن وما يحويه من ثقل عقائدي وتربوي أخلاقي دفعةً واحدةً ، ولقد وصفه الله تعالى بالقول الثقيل ، حيث قال ربنا : إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا « 1 » .
فالقرآن قول ثقيل ؛ لأن فيه أمانة الرَّبِّ الكبرى ، وليس من السهل استيعاب هذه الأمانة دفعةً واحدةً .
والواقع أن قُدرات البشر في تلقي البصائر محدودة جدًّا ، وهي بحاجة إلى التدرج في مخاطبتها وتفعيلها ، وقد قال عز اسمه بهذا الصدد : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ « 2 » .
إذا فسرنا النظر بالإمهال ( من النَّظِرَة ) يكون معنى الآية : أن الله تعالى لا يسمح للإنسان أن يطلب التبرير والتهرُّب من مسؤولياته ، وإنما له أن يطلب الفرصة لأدائها . وهكذا نجد أن من ميزات الدين الإسلامي أنه يوفر الأجواء التعليمية والتربوية المناسبة لتلقي وتطبيق الشريعة .
ثم إذا كان القرآن قد نزل جملة واحدة ، فماذا كان يبقى للرسول من أمر إِبلاغه ، إذ كان كافيًا أن يستيقظ الناس في الصباح - مثلًا - ليجدوا في كل بيت من بيوتهم نسخة من القرآن المجيد
هامش
( 1 ) سورة المزمل ، آية 5 .
( 2 ) سورة البقرة ، آية 104 .