ثم ما كان ليحدث لو كان القرآن أُنزل جملة واحدة ؟ هل كان سيدعوهم إلى الإيمان بالقرآن وبالرسول ؟ .
لا ريب في أن ذلك لم يكن أن يحدث ، لأن الأزمة الكبرى لدى الكافرين لم تكن في توالي الآيات ، بقدر ما هي مُتعلِّقة بأصل الإيمان بالله وبالرسول .
ولعلهم إنما كفروا بالقرآن ، لأنهم استغنوا بتشريعات باطلة ابتدعوها من عند أنفسهم ، وتوارثوها من آبائهم وتعوَّدوا عليها ، وقامت عليها مصالحهم المعاشية . . وهكذا لم يرتضوا التنازل عنها .
كما أنهم قد كفروا بالرسول ؛ لأن الإيمان به - حسب رأيهم - كان يُصيبهم في مقتل ، من حيث نظرتهم إلى خُلُق الرسول العظيم الذي تتناقض أخلاقهم معه ، وإلى كون الرسول يتحدَّث لهم عن أخبار السماء وهم كانوا يزعمون أنهم أحق بذلك منه حسدًا وكبرًا وغرورًا .
حكمة التوالي في نزول الوحي :
ولكن لو أن القرآن كان قد نزل جملة واحدة ، فهل كانوا يفقهونه ، وهم الذين رموا الرسول ( ص ) بتهمة الكذب والجنون والسحر والتسمّع إلى الجن بعد أن سمعوا مجرد آية واحدة ، فما بالهم لو أن الرسول جاء إليهم بالقرآن كله ؟ .
كلَّا ؛ إن لهبوط الوحي مُنَجَّمًا حكمةً بالغةً يذكرها الرب :
3 - كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ .
إن تنزُّل القرآن بالتوالي يعكس أصلًا تربويًّا مهمّا ، هو
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 146
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٦