تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
استثناءً عن هذه القاعدة الربانية المتعالية ، فهو إنما يكون صالحًا إذا وقعت عليه إرادة الرَّبّ العزيز . ومن هذه الإرادة الربانية العزيزة ما أوضحه قوله تعالى : كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتَابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ( 21 ) « 1 » . أي : إن كتاب الأعمال الصالحة يبقى كتابًا ناقصًا - بل هو لا يُعَدُّ شيئًا - ما لم يُتبع بإمضاء المقربين ويكون محط رضاهم . فالقيمة الحقيقية لأي عملٍ يُراد منه أن يكون عملًا صالحًا ، هي قيمة التوقيع والشهادة من المقربين لصالحه ؛ وذلك لأن الله تعالى لا يُعبد من حيث يُعصى . وكما أن الله تعالى واحد أحد في وجوده ، كذلك هو واحد في تشريعه ، ولا يرضى أن يشاركه أحد في تشريعه . ومن تجاوز على وحدانية الله تعالى في تشريعه وكونه المصدر الوحيد لإصدار الأحكام والعقائد الحقة ، فإنه في الواقع مُعاند لإرادة الله ووحدانية مهما ألبس أعماله لبوس الصلاح ؛ لأن عمله هذا باطل من أصله ، وهو محكوم سلفًا بأن يكون هباءً منثورًا . وواضح من صيغة الفعل الماضية في مفردة : وَقَدِمْنَا أن القاعدة ، قاعدة تحوُّل العمل الصالح إلى هباءٍ منثور ؛ قاعدة أصيلة قد حذّر الله تعالى الإنسان منها في الوقت نفسه الذي أنزل إليه الحكم والتشريع ، فهو تعالى قد رحمه وتفضل عليه إذ أوضح له هذه القاعدة الأصيلة . فالإنسان قد يختار عملًا صالحًا ، كالعمل الخاص بمعرفة الله أو عبادته من صلاة وصيام وجهاد ، ولكنه يتجاهل الطريق الذي اختطَّه ربُّه له للسير ضمنه ، وبلوغ الغاية المنشودة ، فلن يبلغ تلك
هامش
( 1 ) سورة المطففين ، آية : 18 - 21 .