فكل فضيلة وكمال وحسنة وسعادة يتوقف على الصبر .
ولكن هذا غير أن يقال انّ كلّ فضيلة وكمال وحسنة وسعادة هو الصبر ، إذ توقّف الشّيء على الشّيء أمرٌ والحكم باتّحادهما شيءٌ آخر .
نعم ! انّ هذا الاطلاق ممكن على سبيل الأخذ بالمجاز ، تسميةً للمسبّب باسم السبب ، لكنّه أيضاً مشكلٌ لا يخلو عن شيءٍ ، حيث إنّ المجاز يحتاج إلى استحسان العرف وتحسينه عند أهل الكلام ، بينما نرى ببداهةٍ ان العرف لا يعدّ استعمال الشجاعة والحكم وإرادة الصّبر منهما مستحسناً ، بل لايخضع لهذا الاستعمال .
نعتذر إليك أيّها القارئ الكريم ايضاً من حكايتنا هذا التطويل ، ومن حكايتنا هذا القيل والقال فلنرجع إلى المختار في هذا الكتاب من السناد على القرآن والسنة وعدم الدخول في أقوال القوم والتحقيق حولها .
فنقول ان القرآن الكريم أمر بالصبر فيما يزيد على سبعين آية إمّا بالصراحة وإمّا بالكناية ، فهو اولًا أمر بالاستعانة بالصبر مع حذف المتعلّق الّذي يدلّ على العموم ليشمل الاستعانة منه وبه في السير والسلوك ، وفي حلّ المشاكل وفتح الأبواب للوصول إلى الدرجات العليا ليفوز الصابر بسعادة الدارين .
قال تعالى : « استعينوا بالصبر والصلاة ان اللَّه مع الصابرين » . « 1 »
وثانياً وعد بانّ اللَّه تعالى مع الصابرين ، وأكدّ على ذلك فيشملهم عنايته الخاصّة وقد كررّ وعده هذا في عدّةٍ من آي الكتاب العزيز .
وثالثاً ان اللَّه تعالى يذكّرنا نكتة لطيفة وهي كون الابتلائات الدنيويّة من اللوازم غير المنفكّة عن الموجودات ، إذ استكمالها مرهون لها ، فالإنسان يستكمل بها باختياره وغيره من الموجودات من غير اختياره وارادته .
هامش
( 1 ) - / البقرة / 153