والقرآن الكريم اهتمّ بالمسألة الاعتماد عليه تعالى كما اهتمّ بمسألتي التوكّل والتفويض والسرّ فيه انّ الاعتماد على اللَّه تعالى كما مر الكلام فيه يلازم فضائل شتّى كما انّ الاعتماد على غيره تعالى يلازم رذائل شتّى وسيّئات كبرى كالشرك الّذي هو من الرذائل المرتّبة عليه لأنّ الإنسان لو اعتمد على اللَّه تعالى حال كونه يرى الأسباب حتّى الأسباب المعنويّة مؤثرة مستقلّة فهو مشرك واما لو اعتمد على الأسباب فقط وغفل عن حقيقة كلمة لا اله إلّااللَّه فهو كافر .
فينحصر الموحّد فيمن يقول بلسان حاله : « إياك نعبد وإياك نستعين » مؤمناً بذلك .
وبذلك أشار الإمام زين العابدين عليه السلام في آخر الدعاء المشتهر بدعاء أبي حمزة الثمالي بقوله : « اللّهمّ انّى أسئلك ايماناً تباشر به قلبي ويقيناً صادقاً حتّى اعلم انّه لن يصيبني إلّا ما كتبت لي ورضّنى من العيش بما قسمت لي يا ارحم الرّاحمين » . « 1 »
وهو الّذي يكون مصداق قول سيدنا ومولانا أبي الحسن الرّضا عليه السلام فيما نقلة من حديث قدسي : كلمة لا اله إلّااللَّه حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني امن من عذابي . « 2 »
ولو دقّقت النظر لعرفت أنّ هذه الرذيلة بما أنّها تلازم كثيراً من الرذائل ، يلازمها كثيرٌ من الذنوب ، فهي شجرةٌ خبيثة لها أغصان عفنة ، كغيبة النّاس واللمز بهم ، والتعدّي إلى حقوقهم ، بل حبّ الدنيا بمعناه العام أيضاً من أغصانها المنتنّة . والسرّ في ذلك انّ الإنسان مدنيٌ بالطبع محتاجٌ إلى غيره من النّاس ، فلو عرف أن لا حاجة له في الواقع إلّاإلى اللَّه وأدرك معنى قوله تعالى : « يا ايّها النّاس أنتم الفقراء إلى اللَّه » « 3 » يحصل له مقام تفويض الأمر إليه تعالى ولااقّل من مقام التوكّل والاعتماد عليه ، فلو هيّىء الأسباب فلا يكون
هامش
( 1 ) - / مفاتيح الجنان ، دعاء أبي حمزة الّثمالى
( 2 ) - / بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 126 ، باب 12 ، ح 3
( 3 ) - / فاطر / 15