لوجوده بينما يُخيّل إلينا انّه وجد بلا سبب وذلك لان الأسباب لا تنحصر بالأسباب الظاهرة كما سيأتي توضيح ذلك بتفصيلٍ لائقٍ انشاءاللَّه ، بل الدعاء والابتهال إليه تعالى والصدقات ونحوها تعدّ من الأسباب والنسبة بين السّببين ليس إلّاكواحدٍ بالنسبة إلى الآلاف ومن تلك الأسباب المعنويّة كمال الانقطاع إلى اللَّه تعالى ولعلّ ما روى من أن إبراهيم عليه السلام كان اوابّاً منيباً فحين أرادوا ان يحرقوه نزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال له : هل لك من حاجة ؟ قال :
أمّا إليك فلا ، حسبي اللَّه ونعم الوكيل ، فاستقبله ميكائيل فقال : ان أردت أخمدت النار فانّ خزائن الأمطار والمياه بيدي ، فقال لا أريد ، واتاه ملك الريح فقال : لو شئت طيرت النار ، فقال : لا أريد ، فقال جبرئيل : فاسئل اللَّه ، فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي « 1 » يكون من هذا القبيل ، ولقد أشار اللَّه إليه بقوله : « ومن يتّق اللَّه يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على اللَّه فهو حسبه انّ اللَّه بالغ امره قد جعل لكلّ شيء قدراً » . « 2 »
وقد يوجد شىءٌ بالأسباب الخفيّة منها انقطاع العبد إلى اللَّه لما يرى عجزه من تهيئة الأسباب ، ولعلّ الانقطاع هذا يُعدّ أيضاً من الأسباب .
وبهذا القسم أشار تعالى ايضاً بقوله : « فإذا ركبوا في الفلك دعوا اللَّه مخلصين له الدين فلمّا نجّاهم إلى البرّ إذا هم يشركون » . « 3 »
فتلخّص من جميع ما ذكرناه ان تهيئة الأسباب بالمقدور لا ينافي التوكّل ، بل يلازمه فمن لا يهيّء الأسباب فليس بمتوكّل بل هو ملومٌ في روايات أهل البيت عليهم السلام وسيأتي ذكر بعضها ، منها ما روى عن النبىّ والولىّ عليه السلام .
عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : انّه رأى قوماً لا يزرعون ، قال ما أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكّلون ،
هامش
( 1 ) - / بحار الأنوار ، ج 68 ، ص 155 ، باب 63 ، ح 70
( 2 ) - / الطلاق / 2 ، 3
( 3 ) - / العنكبوت / 65