والمرتبة الثّانية هي مخالفة ما في القلب من غير اللَّه تعالى ، فالمتّقي في هذه المرتبة من أخرج غير اللَّه من قلبه الّذي هو عرش الرّحمن ، ففي هذه المرتبة المتّقي من كسر الأصنام كلّها وأخرجها من قلبه ، ثمّ ادخل صاحب البيت فيه ، وهي تقوى القلب في عرف القرآن .
والمرتبة الثّالثة هي الامتناع عن رؤية الاستقلال لغير اللَّه تعالى ، فالمتّقى في هذه المرتبة من أدرك قوله تعالى : « اللَّه نور السماوات والأرض » « 1 » قائلًا : « عميت عين لا تراك » « 2 » وما « ما رأيت شيئاً إلّااللَّه قبله وبعده ومعه » « 3 » ويدرك قيّوميّة الحقّ تعالى للأشياء كلّها ، وهي تقوى الخواص .
والمرتبة الرابعة هي حفظ النّفس عن الالتفات إلى غير الحقّ ، فالمتّقي المتّصف بهذه المرتبة لا يرى إلّااللَّه ، فهو المنغمر في الوحدة وليس له خبرٌ عن الكثرة ، فإذا أجبر على الالتفات إلى عالم الكثرة اعتبر هذا ذنباً عظيماً ، وهي تقوى اخصّ الخواصّ . ولهذه المرتبة عرض عريض ومراتب متكثرة وليس شأننا المقاولة فيها .
واختصاص لفظة التّقوى في القرآن والرّوايات بالمعنى الأوّل لا وجه له ، بل اللفظ يشمل المراتب الأربع سيّما في القرآن الّذي ألفاظه عامّة ولها مصاديق مختلفة . فخطاب مثل قوله تعالى : « يا ايّها الّذين امنوا اتّقوا اللَّه » لا يختصّ بالعوام فقط بل يشمل الخواصّ واخصّ الخواصّ ايضاً .
ولا تختصّ التّقوى باتيان الواجبات والاجتناب عن المحرّمات فقط ، بل هي اعمّ منهما ومن تهذيب النّفس من الرّذائل ، وهي تقوى القلب في عرف القرآن .
قال تعالى : « ومن يعظّم شعائر اللَّه فانّها من تقوى القلوب » . « 4 »
هامش
( 1 ) - النّور / 35 .
( 2 ) - بحار الأنوار ، 67 / 138 .
( 3 ) - اللمعة البيضاء / 169 .
( 4 ) - الحجّ / 32 .