فكما انّ العمل والاستمرار في العلم يوجب الاختصاص فيه ، فكذلك العمل والاستمرار يوجب رفع الرّذائل وغرس الفضائل بل حصول الملكات الفاضلة للمرء . فهكذا انّ مخالفة النّفس الامّارة وهواها توجب التّسلّط عليها وعلى قلعها وقمعها .
فالقرآن قرّر ما ذهب إليه علماء الأخلاق من الامر بالتّقوى مراراً بل استهلّ القرآن قائلًا : « ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتّقين » « 1 » وليبيّن انّ غير المتّقين لرسوخ الرّذائل في أنفسهم ليس لهم أن يهتدوا بنور القرآن ، فتأمّل . كما أمر بمخالفة الهوى مراراً ايضاً حين جعلها ميزان السّعادة ذلك ، قال تعالى : « فامّا من طغى واثر الحياة الدّنيا فانّ الجحيم هي المأوى وامّا من خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى » . « 2 »
و « الهوى » - كما قال الرّاغب في المفردات - ميل النّفس إلى الشّهوة ويقال ذلك للنّفس المائلة إلى الشّهوة ، وقيل سمّى بذلك لأنه يهوى بصاحبه في الدّنيا إلى كلّ داهية وفي الاخرةالهاوية . « 3 »
والحاصل انّه لمّا كانت الذّنوب كلّها والشّرور كلّها من النّفس وفجورها اي رذائلها الخلقيّة فنهى النّفس عن الهوى وتمايلاتها الّتي يطلق عليها في القرآن تارة بالتّقوى وأخرى بمخالفة الهوى ، يوجب ترويض النّفس والتمكّن من السّيطرة عليها فيوجب رفع بعض تلك الرّذائل عنها والقدرة على تعديل بعضها .
فلذلك قال علماء الاخلاق : من طرق تهذيب النّفس والتّخلّق بالفضائل هو مخالفة النّفس الامّارة والرّذائل الاخلاقيّة .
والقرآن أقرّ بذلك فقال : « اتّقوا اللَّه حق تقاته » « 4 » ، « فاتّقوا اللَّه ما استطعتم » . « 5 »
هامش
( 1 ) - البقرة / 1 و 2 .
( 2 ) - النّازعات / 37 - 41 .
( 3 ) - مفردات غريب القرآن : 568 .
( 4 ) - آل عمران / 102 .
( 5 ) - التّغابن / 16 .