وقال تعالى : « ونفس وما سوّيها فألهمها فجورها وتقويها » . « 1 »
هذا ولكن الّذي يعيننا في هذا البحث انّ التّقوى بمعناها الأوّل أي اتيان الواجبات واجتناب المحرّمات ، مؤثّر في تهذيب النّفس والتّخلّق بالفضائل .
والسّرّ في ذلك انّ مخالفة النّفس الامّارة والرّذائل الاخلاقيّة توجب ضعف تلك القوى فيوجب سلطة المتّقى عليها ، بل توجب التّسلّط على النّفس الامّارة بحصول ملكة العدالة والتّسلّط على الرّذائل بحيث انّه يمنعها عن اشتعالها وتأجّجها ، بل بمرور الزّمن واستمرار المكافحة يقدر على قلع تلك الرّذائل ، بل ويقدر على غرس الفضائل في القلب فتأتي اكلها وثمراتها دائماً .
فمن هذه الجهة انّ علماء علم الأخلاق كانوا يقولون من أراد اقتلاع جذور البخل عن القلب وغرس شجرة السّخاء فيه فلينفق بالميسور ، كما قال تعالى : « لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا اتاه اللَّه » . « 2 »
فبالانفاق على سبيل الاستمرار تضعّف رذيلة البخل بل تقلع عرقها وتغرس شجرة السّخاء فيه وتقوى وتنمو حتّى تصير ذات ثمرة طيّبة ، فحينئذ هو الّذي يلتذّ من الانفاق ، بل ينفق ممّا اتاه اللَّه من غير تحميل على نفسه بل ومن غير التفات منه إليه .
ومن أراد رفع صفة الجبن عن نفسه وتبديلها بصفة الشّجاعة فليبارز تلك الرّذيلة بمخالفتها . فتلك المخالفة المستمرّة تضعف الرّذيلة اوّلًا وتعدمها بمرور الزّمن ثمّ تبدّل الرّذيلة بالفضيلة ، وهكذا .
وأقوى شاهد لصحّة هذا الكلام حصول ملكة الاختصاص في العلوم بالعمل والاستمرار عليه وحصول ملكة العدالة بمخالفة الهوى .
هامش
( 1 ) - الشّمس / 7 .
( 2 ) - الطّلاق / 7 .