وهو التمسّك بأصالة البراءة . وتقريره : بعد وفاق الجميع على كون الثلاثة حجّةً في المقام نشكّ في أنّه هل يكون علم القاضي أيضاً حجّةً فيه ؟ أم ليس بحجّة ؟ ، فحينئذٍ تحكم أصالة البراءة بعدم حجّيّته .
وبالنظر إلى طروّ الشك إلى حجّيّته أوّلًا ، وكون المقام مجرىً لأصالة البراءة ثانياً تظهر تماميّة الدليل ، وذلك واضحٌ .
الدليل الثالث :
وهو التمسّك بما هو المقرّر بينهم من أنّ عدم البيان دليلٌ على عدم الحجّيّة . وتقريره : انّ حصول العلم للقضاة في جريان التخاصمات ممّا لا ينكر ، هذا من ناحيةٍ ؛ ومن ناحيةٍ أخرى فانّه من الأمور الّتي كثرت حاجة الناس وابتلائهم إليها . ثمّ لا دليل - من آيةٍ أو روايةٍ - يبيّن حكمه ، ومن المقرّر بينهم انّ عدم البيان في موارد الابتلاء دليلٌ على العدم ؛ فنفس عدم البيان في ما نحن فيه يدلّ على عدم حجّيّة علم القاضي « 1 » .
الدليل الرابع :
التمسّك بأصل التسامح في إجراء الحدود . وتقريره : لاخلاف بين الأصحاب في أنّ مبنى الشارع في إجراء الحدود على جريان التسامح لئلّا يكثر في المجتمع إجراء الحدود ، وإلى هذا تشير القاعدة المتّفقة عليها بينهم المسمّاة بقاعدة : « ادرؤوا الحدود
هامش
( 1 ) . قد اشتهر بين الفضلاء انّ القاعدة القائلة بأنّ « عدم البيان في موارد تعمّ بها البلوى دليلٌ على عدم الحكم » من مبتكرات الشَّيخ الآخوند رحمه الله في مبحث قصد الوجه والتمييز من « الكفاية » . ولكن القاعدة نفسها وردت في كلام سيّدنا المرتضى قدس سره ، وقد عثرت عليه أخيراً . فانّه رحمه الله في ردّ قول جدّه لأمّه الناصر : « فعل الكبيرة حدثٌ » قال : « فقد بيّنّا انّ ما تعمّ به البلوى ويتكرّر حدوثه لابدّ من إيراد بيان حكمه مورداً يقطع العذر ويثلج الصدر . . . ولو كان فعل المعصية حدثاً في نفسه لوجب أن يرد ذلك وروداً يقطع العذر ويوجب العلم ويشترك فيه الخاصّ والعامّ ، كما وجب في أمثاله » ؛ راجع : « المسائل الناصريّات » ص 137 .