النكتة الثّانية :
إن قلت : فلماذا خاطب اللّه - تعالى - جميع الناس في هذه الأوامر وكان من المقدور له أن يوجّه الأمر إلى الحكّام المنصوبين من قِبله فقط ؟
قلت : قد خاطب اللّه - تعالى - جميع الناس لما لهم من الدور الهامّ في إقامة شرايع الإسلام ، فإنّه لاقدرة ولااستطاعة للدولة على اقامتها إلّابمعاونةٍ من الناس ومعاضدتهم إيّاها ؛ فهذا هو السرّ في توجيه الخطاب نحوهم .
النكتة الثّالثة :
لا ريب في دلالة الأمر على الوجوب ، فيجب الإتيان بمقتضى هذه الأوامر ومدلولاتها . ولا ريب أيضاً في أنّ تشكيل الحكم يعدّ مقدّمةً للاتيان بهذه الأوامر ، فالقيام بتشكيل الدولة يكون من مقدّمات الواجب .
ولكن هيهنا نكتةٌ لطيفةٌ ؛ وهي انّا قد فصّلنا الكلام في علم الأصول - تبعاً للقوم - حول الفرق بين مقدّمة الواجب ومقدّمة الوجوب . وقلنا هناك انّ مقدّمة الوجوب ليست بواجبةٍ ، فلا يجب على المكلّف تحصيل الاستطاعة ليجب عليه الحجّ ؛ بينما انّ مقدّمة الواجب واجبةٌ ، فيجب عليه تحصيل الماء ليتمكّن من الوضوء عند وجوب الصلاة .
فلو كان القيام بتشكيل الحكم من باب مقدّمة الواجب يجب على الناس القيام به ليتمكّنوا من الإتيان بما أمروا به في تلك الآيات المباركات ؛ ولكن لو كان من باب مقدّمة الواجب فلا يجب عليهم القيام به ، إذ ليس تحصيل مقدّمة الوجوب واجباً على المكلّف .
فعلى القائلين بوجوب تشكيل الحكم على آحاد الناس أن يثبتوا أوّلًا كونه من باب مقدّمة الواجب ويبرهنوا عليه ، وأنّى لهم ذلك ؟ ! . ولكن القائلين بعدم وجوبه عليهم ففي فصحةٍ من ذلك ، إذ الأصل عند الشكّ في كون شيءٍ مقدّمة الواجب أو الوجوب يقتضي أن يكون مقدّمة الوجوب ، فلاشيء عليهم .
وتفصيل الكلام فيه موكولٌ إلى محلّه من علم الأصول « 1 » .
هامش
( 1 ) . راجع : « نهايةالأصول » ص 145 ، « حقائقالأصول » ج 1 ص 223 .