ومن الغريب قول بعضهم حيث فسّر قوله عليه السلام : « فإنّهم حجّتي عليكم » ب : أنّ « الحجّة » هو ما يُحتجّ به ، فإذا بيّن الفقيه حديثاً للناس يصير هذا الحديث حجّةً ، فلا يجوز للناس أن يتخلّفوا منه لأنّه صار حجّةً بينهم وبين اللّه - سبحانه وتعالى - . فليس الفقيه هو الحجّة ، بل الحجّة هو الحديث الّذي بيّنه للناس .
ولا تخفى عليك غرابة هذا القول ! ، إذ تمّم الحجّة عليه السلام قوله هذا بقوله : « وأنا حجّة اللّه » ، ولاخلاف في أنّه هو الحجّة لا ما يبيّنه للناس ؛ فوحدة السياق تحكم بأنّ الفقيه حجّةٌ كما انّه عليه السلام حجّةٌ .
أضف إلى ذلك انّ هذا المعنى الّذي ذكره هذا القائل لا يقبله العقل السليم الخالي عن الشوائب والأوهامات .
أمّا المقدّمة الثّانية فهي أيضاً غير تامّةٍ ، إذ مضت الإشارة في مقدّمات المبحث إلى الفرق بين الولاية والوكالة ؛ وقد قلنا هناك انّ من الفوارق بينهما : إنّ الوكيل ينعزل بموت موكّله ، أمّا الوليّ فلاينعزل بموت من ولّاه على أمرٍ . كمن عيّنه الفقيه لولاية أمر أوقاف البلدة ، فانّ من المجمع عليه عدم عزله بموت الفقيه ، بل ولايته باقيةٌ حتّى يُنصّ على عزله ، فهو حينئذٍ معزولٌ عن ولايته « 1 » .
وقد ذكر السيّد الأستاذ الإمام الخمينيّ رحمه الله لهذا الإشكال جواباً آخر ؛ وهو :
هامش
( 1 ) . قال ثانيالشهيدين رحمه الله : « لو مات الإمام الأصل هل ينعزل القضاة أم لا ؟ فقيل : ينعزلون مطلقاً ، لأنّهم نوّابه وولايتهم فرعٌ على ولايته ، فإذا زال الأصل تبعه الفرع ؛ وقيل : لاينعزلون . . . والأظهر هو الأوّل . وقد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة ، فانّ الإمام الّذي جعله قاضياً وحاكماً قد مات . . . إلّاانّ الأصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية » ؛ راجع : « مسالكالأفهام » ج 13 ص 359 .
وذهب الشيخ رحمه الله إلى الأوّل ، والمحقّق الأردبيليّ رحمه الله إلى الثّاني ؛ راجع : « المبسوط » ج 8 ص 127 ، « مجمع الفائدة والبرهان » ج 12 ص 27 . وانظر أيضاً : « كتابالقضاء » - للمحقّق الآشتيانيّ رحمه الله - ص 49 .