كانت أو كبيرةً - والاجتناب عمّا يخالف المروءة فله ملكة العدالة « 1 » . فمن استطاع من البذل من غير أن يكون متبذّلًا فيه - أي : كان البذل والعطاء في موضعه طبيعةً له من غير أن يتكلّف نفسه به - فهو السخيّ ، وله ملكة السخاء ؛ ومن اقتدر على مباراة الخصم من غير أن يكون متكلّفاً فيه فهو الشجاع ، وله ملكة الشجاعة ؛ ومن اقتدر على ترك المحرّمات بأقسامها وإتيان الواجبات والتجنّب عمّا يشين مروءته فهو العادل ، وله ملكة العدالة .
فالعدالة - كالشجاعة والسخاء - تُعدّ من الملكات ، لا من الأفعال .
وعليه فمن تقيّد نفسه بأحكام الشريعة فأتى بما يجب الإتيان به وترك ما يجب تركه من غير أن يكون ذلك طبيعةً له لايُعدّ عادلًا وإن كان مؤمناً مثاباً .
وبما قلنا ظهر انّ بعض ما ورد في الشريعة الغرّاء - كقوله عليه السلام : « أشجع الناس من غلب هواه » « 2 » ، وقوله عليه السلام : « أسخى الناس من أدّى زكاة ماله » « 3 » - يجب أن يُحمل على المجاز ؛ أو على محامل أخرى إلّاإذا كان غلبته على هواه وأدائه زكاة ماله من طبعه . فحينئذٍ يُمكن أن يوصف بالشجاعة والسخاء ، وإلّافكلّ من غلب هواه فاجتنب عن المحرّمات أو أدّى زكاة ماله من غير أن يكون ذلك من طبعه وطبيعته يوصف بالإيمان ولا يوصف بكونه شجاعاً أو سخيّاً .
نعم ! إذا كانت العدالة من الملكات فتحتاج إلى كاشفٍ يكشف عن وجودها في من يتّصف بها ، والكاشف عنها هو ما يصدر عنه من الأفعال ؛ إذ الملكة ممّا ارتكز في النفس ولاتناله الأيدي إلّابوساطة كاشفٍ أو دليلٍ يكشف عن وجوده ويدلّ عليه . هذا ما عليه
هامش
( 1 ) . وانظر في ذلك : « بلغةالفقيه » ج 3 ص 193 .
( 2 ) . راجع : « من لا يحضره الفقيه » ج 4 ص 394 الحديث 5840 ، « مستدركالوسائل » ج 12 ص 111 الحديث 13658 ، « بحارالأنوار » ج 67 ص 76 ، « أعلامالدين » ص 322 .
( 3 ) . راجع : « من لا يحضره الفقيه » ج 4 ص 394 الحديث 5840 ، « وسائلالشيعة » ج 9 ص 12 الحديث 11392 ، « بحارالأنوار » ج 93 ص 11 ، « الأمالي » - للصدوق - ص 20 الحديث 4 .