كتاب القضاء . وكيف كان فالأمر في اتّحادهما أو اختلافهما سهلٌ بعد العلم بصدور المضمون عن الإمام رحمه الله قطعاً .
وتقريب الاستدلال بما نحن فيه نفس التقريب بالمتقدّم عليه ، فلانطيل الكلام بإعادته .
بقي الكلام في نكتةٍ ، وهي : إنّ لفظة « شيئاً » في قوله عليه السلام : « يعلم شيئاً من قضايانا » توهم في بادىء النظر عدم اشتراط الفقاهة في الحاكم المنصوب من قبلهم عليهم السلام ، إذ الظاهر منها انّ العالم بشيءٍ من الأحكام على منهج أهلالبيت عليهم السلام الفقهيّة يصلح للقيام بأمر السلطة ، بينما نرى انّ الصالح لهذا الأمر ليس إلّامَن يقتدر على الاستنباط في أبواب الفقه بتمامها .
ولكن هذا التوهّم نشأ من جعل لفظة « من » تبعيضيّةً ، ثمّ انضمامها إلى « شيئاً » المتوغّل في التنكير .
والخروج عن هذه المشكلة سهلٌ بعد إمعان النظر إلى أنّ لفظة « من » بيانيّةٌ ، فقوله عليه السلام :
« من قضايانا » بيانٌ ل « شيئاً » ، أي : كان عالماً بالفقه على منهجنا . فلاتخالف بين الظاهر من الحديث وبين المتّفق عليه بين الأصحاب من أنّ المستنبط الجامع لشرائط الفتيا هو الصالح لتولية أمر المجتمع لا غيره .
ثمّ بعد كسر سورة الإشكال نزيد ونقول : يمكن أن تكون لفظة « من » تبعيضيّةً ، والمراد منها معنى رفيعٍ عرشيٍّ ، وهو الإشارة إلى سعة علمهم عليهم السلام الّذي هو المُفاض عليهم من المعلّم الحقيقيّ العالم بجميع ما في الكون بالعلم العِلّيّ الإيجاديّ ، لا العلم المعلوليّ الكسبيّ .
فالمراد من الحديث - واللّه العالم - : من كان عالماً بشيءٍ يسيرٍ من فقهنا فهو الحاكم من قِبلنا ، ولكن ذلك بالنظر إلى ما لنا من المعرفة التامّة باللّه - سبحانه وتعالى - واستخلافنا منه المقتضي للاستخلاف في جميع ما له من الكمالات والمراتب إلّاالمرتبة الوجوبيّة ؛ فإنّه ربٌّ ونحن عبيده . ولكن لنا علمٌ لاتُقاس به علوم الأوائل والأواخر ، بل جميع ما وُهب من
فقه الولاية والحكومة الإسلامية — صفحة 205
مساهمون: الشيخ حسين المظاهري
ص٢٠٥