الأمر الرّابع :
ثمّ في مختتم الآية ذكر اللّه - تعالى - ما كانت عليه الأقوام قبال دعوة الأنبياء ، فقال : « فَمِنْهُمْ مَن هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ » .
الأمر الخامس :
ثمّ دعا المسلمين - بل جميع المخاطبين - إلى النظر والتأمّل في عاقبة الفريقين - : الّذين أجابوا دعوة نبيّهم وخضعوا لها ؛ والّذين لمينقادوا لها ، بل عصوه وجحدوا به - ؛ قال - تعالى - : « فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » .
فالآية الشريفة تنادي بأعلى صوتها بأنّ الأمم الماضية جميعها كانت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى من يقوم بأمرها في ناحيتي التشريع والقيام بأمر الدولة الإلهيّة ، وعلى الناس أن يخضعوا لحكمه لئلّا تسير عاقبة أمرهم إلى البوار والوبال .
ثمّ لا اختصاص لهم بهذا الأمر ، بل حاجة المجتمع إليه حاجةٌ دائمةٌ مستمرّةٌ باستمرا الإنسان وحياته الجمعيّة . وهذا ممّا حكم به العقل ودلّت عليه خاتميّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وشريعته ، فمن الواجب أن يكون في كلّ عصرٍ من يقوم بأمر رئاسة المجتمع . وهذا شأن الأنبياء المبلّغين الّذين عرّفنا اللّه بهم في قوله : « الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَونَهُ وَلَايَخْشَونَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ » « 1 » ، أي : العالمون بأحكام الشريعة وذووا الكفاية لمهمّة السلطة والدولة ؛ وهذا شأن الفقيه العادل المدبّر للأمور لأن يجلس مجلس الأنبياء في ناحيتي تبيين الأحكام وإرشاد المجتمع إلى ما هو الخير له . فدلالة الآية على ثبوت الولاية له واضحةٌ لاخدشة فيها .
وفي مختتم مبحث الاستدلال بالآيات الكريمات على ثبوتها له نشير إشارةً اجماليةً إلى جملةٍ من الآيات الدالّة عليها ، وتلك الآيات كثيرةٌ جدّاً ، بل يمكن أن تقرب من مأة آية .
فمنها الآيات الدالّة على إجراء الحدود ؛ كقوله - تعالى - :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ
هامش
( 1 ) . كريمة 39 الأحزاب .