الطول بخلاف الذراع ، والمراد حينئذ بالذراع في قوله ( ع ) سبعين ذراعاً إما ذراع من كان في زمن آدم على نبينا وآله وعليه السلام ، أو من كان في زمان من صدر عنه الخبر ، وهذا وجه قريب . التاسع : أن يكون الضمير في قوله بذراعه راجعاً إلى جبرئيل ( ع ) ، ولا يخفى بعده وركاكته من وجوه شتى ، لا سيما بالنظر إلى ما في الكافي . ثم اعلم : أن الغمز يمكن أن يكون باندماج الأجزاء وتكاثفها ، أو بالزيادة في العرض ، أو بتحلل بعض الأجزاء بإذنه تعالى ، أو بالجميع ، وقد بسطنا الكلام في ذلك في المجلد الآخر من كتاب مرآة العقول « 1 » . وذكر المحدث الجزائري في قصص الأنبياء بعد نقله خبري الكليني والراوندي وجوهاً تشبه وجوه التي ذكرها المجلسي « 2 » .
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار ، ج 11 ، ص 127 - 129
( 2 ) . قال : أقول : هذا الحديث عده المتأخرون من مشكلات الأخبار لوجهين :
الأول : أن طول القامة كيف يصير سببا للتضرر بحر الشمس ، مع أن حرارة الشمس إنما تكون بالانعكاس من الأجرام الأرضية ، وحده أربعة فراسخ في الهواء ؟ .
الثاني : أن كونه ( ع ) سبعين ذراعاً بذراعه يستلزم عدم استواء خلقته ، وأنه يتعسر عليه كثير من الأعمال الضرورية .
وأجيب الأول بوجهين :
أحدهما : أن يكون للشمس حرارة من غير جهة الانعكاس أيضاً ، وتكون قامته ( ع ) طويلة جداً بحيث تتجاوز الطبقة الزمهريرية ويتأذى من تلك الحرارة ، ويؤيده حكاية ابن عناق أنه كان يشوي بعين الشمس .
الثاني : أنه كان لطول قامته لا يمكنه الاستظلال ببناء ولا شجر ولا جبل ، فلا يمكنه الاستظلال ولا الجلوس تحت شيء ، فكان يتأذى من حرارة الشمس لذلك .
وأما الجواب عن الثاني فمن وجوه ، أكثرها فيه من التكلف ما أوجب الإعراض عن ذكره لبعده عن لفظ الحديث ومعناه . وأما الوجوه القريبة فمنها ما ذكره بعض الأفاضل من أن استواء الخلقة ليس منحصراً فيما هو معهود الآن ، فإن الله تعالى قادر على خلق الإنسان على هيئات أخر كل منها فيه استواء الخلقة ، وذراع آدم ( ع ) يمكن أن يكون قصيراً مع طول العضد ، وجعله ذا مفاصل أو لينا بحيث يحصل الارتفاق به والحركة كيف شاء .
ومنها : ما روي عن شيخنا بهاء الدين طاب ثراه من أن في الكلام استخداماً ، بأن يكون المراد بآدم حين إرجاع الضمير إليه آدم ذلك الزمان من أولاده ، ولا يخفى بعده وعدم جريانه في حواء إلا بتكلف .
ومنها : ما قاله شيخنا المحدث سلمه الله تعالى وهو أن إضافة الذراع إليهما على التوسعة والمجاز ، بأن نسب ذراع صنف آدم إليه وصنف حواء إليها ، أو يكون الضميران راجعين إلى الرجل والمرأة بقرينة المقام .
ومنها : أن الباء في قوله بذراعه للملابسة ، أي كما قصر من طوله قصر من ذراعه لتناسب الأعضاء ، وإنما خص الذراع لأن جميع الأعضاء داخلة في الطول بخلاف الذراع ، والمراد بالذراع في قوله سبعين ذراعاً أما ذراع من كان في زمن آدم ، أو ما كان في زمن من صدر عنه الخبر .
والأوجه عندي هو الوجه الأول ، وذلك لأن استواء الخلقة إنما يكون بالنسبة إلى أغلب أنواع ذلك العصر والشائع في ذلك العصر ، روي أن موسى ( ع ) أرسل النقباء الاثني عشر ليأتوا له بخبر العمالقة حتى يغزوهم ، فلما قربوا من بلادهم رآهم رجل من العمالقة ، فوضع الاثني عشر رجلًا في طرف كمه وحملهم إلى سلطانهم وصبهم بين يديه ! وقال : هؤلاء من قوم موسى ! أتأمرني أن أضع رجلي عليهم أقتلهم ؟ ! فقال : اتركهم يرجعون إلى صاحبهم ويخبرونه بما يرون ، فطلبوا منه زاداً للطريق ، فأعطاهم رمانة على ثور نصفها خال من الحب يضعونه فوق النصف الآخر الذي يأكلون منه ! وفي الليل ينامون في النصف الخالي ! فهو في الليل منام وفي النهار غطاء ! وكان قوم موسى بالنسبة إليهم غير مستوي الخلقة وكذا العكس . على أن الأخبار الواردة بصفات حور العين وولدان الجنة وأكثر ما ورد فيها لو وجد في الدنيا لكان بعيداً عن استواء الخلقة . راجع : النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين : 43 .