الحال في المثال الثاني فإنه لا تنافي بين المدلول المطابقي لكل من الدليلين ، فان المدلول المطابقي لأحدهما جواز النظر إلى صورة المرأة الأجنبية بدون شهوة والمدلول المطابقي للاخر جواز التكلم معهن بدون ريبة وشهوة ، فاذن لا تعارض بينهما من هذه الناحية وانما نشأ التعارض بينهما من ناحية العلم الاجمالي بكذب أحد الدليلين في الواقع ، وحيث إن هذا العلم الاجمالي يشكل الدلالة الالتزامية لكل منهما فتقع المعارضة بينهما وبين الدلالة المطابقية للاخر ، لان كلًا منهما ينفي بدلالته الالتزامية المدلول المطابقي للاخر فلا فرق بينهما من هذه الجهة ، نعم فرق بينهما من جهة أخرى وهي ان العلم الاجمالي بكذب أحدهما في القسم الأول لا يكون منجزاً ، لان المعلوم بالاجمال غير قابل للتنجز ولا مانعاً عن العمل بكليهما معاً احتياطاً بينما هو في القسم الثاني يكون منجزاً ، لان المعلوم بالاجمال فيه قابل للتنجز ومانع عن العمل بكليهما معاً لاستلزامه المخالفة القطعية العملية .
ثم إن هذه الدعوى لاتبرر سقوط جميع هذه الدلالات الأربع ، لان التعارض بين المدلول المطابقي لكل منهما والمدلول الالتزامي للاخر لا يقتضي ذلك ، باعتبار ان علاج هذا التعارض وارتفاعه لا يتوقف على سقوط هذه الدلالات الأربع جميعاً ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، انه قد يدعى ان المتيقن في المقام هو سقوط الدلالتين الالتزاميتين فحسب دون الدلالتين المطابقتين ، لان الساقط ان كان جميع الدلالات الأربع ، فالدلالتان الالتزاميتان قد سقطتا جزماً بسقوط منشائهما وهو الدلالة المطابقية ، على أساس ان الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية ثبوتاً وسقوطاً وحجية ، فاذن سقوط الدلالتين الالتزاميتين قطعي حيث إنهما ساقطتان سواء سقطت الدلالتان المطابقيتان أم لا ، ولكن قد مرَّ انه لا موجب لسقوط جميع الدلالات الأربع ولامبرر له ، ضرورة ان المبرر للسقوط
المباحث الأصولية — صفحة 254
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٥٤