بين العقل النظري والعقل العملي ، والا فليس هنا عقلان أحدهما نظري والاخر عملي ، بل العقل عقل واحد وهو يدرك الأشياء الواقعية ، وهذه الأشياء تختلف بلحاظ اثارها ومقتضياتها ، فإن كان المدرك منها حسن شيء أو قبح اخر ، فالمدرك بالكسر عقل عملي ، والا فهو عقل نظري .
الرأي الثاني ، المشهور بين الفلاسفة هو ان الحسن والقبح من الاحكام العقلائية المجعولة من قبل العقلاء بداعي حفظ النظام والمصالح العامة النوعية للبشر كافة ، لان بقاء نوع البشر وحياتهم المدنية التوافقية من كافة الجهات الاقتصادية والسياسية والأمنية وغيرها يتوقف على وضع نظام عام لهم .
وقد اختار هذا القول المحقق الأصفهاني قدس سره « 1 » وقال إن المراد من الحكم العقلي العملي هو الحكم العقلائي بمدح فاعل بعض الأفعال وذم فاعل بعضها الآخر ، لما فيه من المصلحة الموجبة لانحفاظ النظام ، أو المفسدة الموجبة لاختلال النظام وفساد النوع ، وهي الموجبة لبناء العقلاء على المدح والذم ، فإنه أول موجبات حفظ النظام وموانع اختلاله .
وقد أورد عليه السيد الأستاذ قدس سره « 2 » بان الحسن والقبح لو كانا من القضايا المجعولة من قبل العقلاء ، فما هو شان العاقل الأول في وجه الكرة الأرضية قبل وجود العقلاء فيه وبناءاتهم وتشريعاتهم على مدح فاعل بعض الأفعال وذم فاعل بعضها الاخر ، فان لازم هذا القول إن العقل لا يدرك حسن العدل وقبح الظلم ، ولا يرى استحقاق فاعل العدل المدح وفاعل الظلم الذم ، وهذا كما ترى ، فإنه خلاف الوجدان والضرورة .
ومن هنا لا شبهة في أن قضيتي حسن العدل وقبح الظلم من القضايا
هامش
( 1 ) . نهاية الدراية ج 3 ص 23 .
( 2 ) . مصباح الأصول ج 3 ص 134 .