إباحة العصير العنبي المغلي قبل ذهاب ثلثيه مثلا ، فهي تحدث مصلحة في مؤداها أقوى من مفسدة الواقع ، فبطبيعة الحال توجب محوها وانقلاب حرمته إلى اباحته واقعاً ، وحينئذ فلا مفسدة في شربه ، ولكن السببية بهذا المعنى أيضا باطلة ، لامن جهة استلزامه خلو الواقعة عن الحكم ، بل من جهة انه مخالف لاطلاق الكتاب والسنة ، فان مقتضاه ان الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل ، وأيضا مخالف لأدلة حجية الامارات والأصول العملية الشرعية ، فان تلك الأدلة تنص على أن الأحكام الواقعية مشتركة بين العالم والجاهل ، لا ان حكم العالم به غير حكم الجاهل .
[ تفسير سببية الإمامية ]
واما سببية الامامية التي ابداها شيخنا الأنصاري ( ره ) ، فيمكن تقريبها بان الأمارات الشرعية التي ثبتت حجيتها قد تكون مخالفة للواقع ، كما إذا كان الشئ في الواقع حراما والامارة قامت على اباحته أو وجوبه ، أو كان في الواقع واجبا والامارة قامت على اباحته وعدم وجوبه أو حرمته ، وعلى هذا فحجية الامارة على الأول ، تؤدي إلى القاء المكلف في مفسدة الواقع ، وعلى الثاني إلى تفويت المصلحة عنه ، وحيث إن ذلك قبيح عقلا ، فاذن لابد من الالتزام بان هناك مبرراً لذلك ، وهذا المبرر متمثل في المصلحة السلوكية ونقصدبها ان في سلوك الامارة والعمل بها ، مصلحة يتدارك بها مفسدة الواقع أو المصلحة الفائتة وهي قائمة في سلوك الامارة ، وتختلف باختلاف السلوك طولا وقصرا من حيث الفترة الزمنية ، لان سلوكها ان كان في تمام العمر ، فمصلحة تدارك المصلحة الفائتة أو الوقوع في المفسدة كذلك ، وان كان في تمام الوقت ، فتدارك مصلحة الوقت وان كان في أول الوقت وهو الوقت المفضل فقط ، فتدارك مصلحة الوقت المفضل