لا يكون عالماً بالأحكام المذكورة لاوجداناً ولاتعبّداً ، اما الأول فهو واضح ، واما الثاني فانّه منوط بحجيّة الامارات القائمة عليها أو الأصول العملية الشرعيّة ، وقدمرّ انها لا تكون حجّة بالنّسبة إليه ، فلهذا لا يكون عالماً بها أصلا ، وعندئذ فلا يجوز له الأِفتاء بها لانّه داخل في الفتوى بغير علم .
واما التنزيل الثاني وهو تنزيل الظن بالمؤدى منزلة القطع بالواقع ، فإن كان في طول التنزيل الأول فهو يسقط بسقوط الأول ، لان المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي حدوثاً وبقاءً ويدورمداره وجوداً وعدماً ، وعلى هذا فلا يمكن للفقيه الافتاء باحكام الحيض والنفاس والاستحاضة لعدم علمه بها أصلا ولوتعبّداً .
نعم لو قلنا بان التنزيل الثاني في عرض التنزيل الأول ولا يتوقف عليه ، فعندئذ يكون الساقط هو التنزيل الأول دون الثاني ، وعلى هذا فيجوز للفقيه ان يفتي بالاحكام المذكورة ، هذا كلّه بناءً على أن يكون مفاد دليل الاعتبار التنزيل ، ولكن قدتقدّم ان هذا مجرد فرض لاواقع موضوعي له ، فان عُمدة الدليل على حجيّة الامارات كاخبار الثقة ، سيرة العقلاء ، فإنها جارية على العمل بها بملاك الطريقيّة والكاشفيّة الذاتية ، وحيث إن الشارع أمضى هذه السّيرة ، فيكون امضائه منشأ لانتزاع الحجيّة لها شرعاً ، وعلى هذا فلايعتبر في حجيّة الامارات ان يكون لمؤديّاتها أثر شرعي في الواقع ، بل انّها حجّة وان لم يكن لها أثر شرعي في المرتبة السابقة ، إذ يكفي في حجيّتها ترتب اثر شرعي على اثباتها بها في الواقع كجواز الاخبار بثبوتها أو جواز الافتاء به ، فإذا قال ثقة ان ماء الدجلة أحلى من ماء الفرات ، كان قوله حجّة وتثبت به حلاوة ماء الدجلة ،
المباحث الأصولية — صفحة 292
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٩٢