لم يعلم بان المولى راض بتفويتها في تلك الحالة أو غير راض ، فيرجع إلى القاعدة ويدفع احتمال العقاب على تفويتها إذا كانت ثابتة في الواقع .
وهذا بخلاف الاحكام المشكوكة التي يعلم المكلف بسبب أو آخر بان المولى لا يرضى بتفويتها أصلًا حتى في حال احتمال ثبوتها في الواقع ، وذلك كحفظ النفس المحترمة ونحوهما ، فانا قد علمنا من الكتاب والسنة اهتمام الشارع بحفظ هذه الأحكام بمالها من الملاكات الواقعية وعدم الرضا بتفويتها أصلًا حتى في صورة احتمال ثبوتها في الواقع ، فإذا شك في فرد انه مسلم أو كافر ، لم يجز قتله تطبيقاً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وان كان احتمال كونه مسلماً في الواقع ضعيفاً ، لان المولى لا يرضى بقتله أصلًا حتى فيما إذا كان احتمال كونه محقون الدم ضعيفاً جداً ، وعليه فالعلم بالقضية الشرطية وهي ان المولى لا يرضى بقتل فرد على تقدير كونه مسلماً وان كان موهوماً ، بيان على أن المكلّف مسؤول امام ذلك ومستحق للعقاب ، فاذن تنتفي القاعدة بانتفاء موضوعها ، لان موضوعها مقيّد بعدم علم المكلف بان المولى لا يرضى بتفويتها ، واما مع العلم بذلك فلا موضوع لها هذا بحسب مقام الثبوت ، واما في مقام الاثبات ، فالاحكام الظاهرية المتمثلة في الامارات المعتبرة والأصول العملية الشرعية ليست مجعولة في عرض الاحكام الواقعيّة التي لها ملاكات ومبادي في الواقع ، فان تلك الملاكات والمبادي هي حقيقة الأحكام وروحها ، وإلّا فالاحكام بما هي اعتبارات فلا قيمة لها ، إذ لو كانت مجعولة في عرضها ، فلابدّ أن تكون ناشئة عن الملاكات الواقعيّة والمبادي في مقابل مبادي الاحكام الواقعيّة ، وعليه فتكون احكاما شرعية حقيقية في عرض الأحكام الواقعية .
المباحث الأصولية — صفحة 237
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٣٧