الثاني : ان فعليّة مثل هذا الحكم مستحيلة ، لان المسافر طالما يكون جاهلا بوجوب القصر ، فلا يكون وجوبه محركاً وداعياً له ، وإذا ارتفع جهله وأصبح عالماً بوجوبه انتفى وجوبه بانتفاء موضوعه ، ومن الواضح ان مثل هذا الحكم غير قابل للجعل لأنه لغو صرف ، إذ الغرض من وراء جعل الحكم ايجاد الدّاعي والمحرّك ، فإذا استحال كونه داعياً ومحركاً ، استحال جعله ايضاً ، وعلى هذا الأساس فانطباقه على كل من المطلق والمقيّد يتوقف على الدليل المتمّم للجعل الأول اطلاقاً أوتقييداً .
وحيث إن الدليل المتمم بالفتح والمتمّم بالكسر ناشئان من ملاك واحد في الواقع وهو الملاك المقيّد أو المطلق ، فبطبيعة الحال يكون مدلولهما حكماً واحداً ، لانّ حقيقة الحكم وروحه الملاك فإذا كان واحداً ، فلا يعقل ان يكون الحكم متعدداً ، غاية الأمر ان مدلول الدليل المتمم بالفتح أصل جعل الحكم المهمل من حيث الاطلاق والتقييد ، ومدلول الدليل المتمّم بالكسر تعيين مدلول الدليل الأول اطلاقاً أو تقييداً ، وعلى هذا فان أراد المحقق النائيني ( ره ) بذلك أخذ العلم بالجعل في الدليل الأول في موضوع الدليل الثاني .
فيرد عليه ان محذور الدور حينئذ وان كان غير لازم ، الّا أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول بهذه الطريقة تطويل للمسافة وهو بلاموجب ومبرر ، لان ذلك ممكن في دليل واحد بلالزوم اي محذور من الدور اوالخلف ، فاذاكان ذلك ممكناً في دليل واحد ، فلامقتضى للالتزام بالدليل الثاني لتصحيح ذلك ، فإنه تطويل للمسافة بلامبرر وتكلّف زائد بلاموجب ، وان أراد ( ره ) به اخذالعلم بالحكم الفعلي في الدليل الأول في موضوع الدليل
المباحث الأصولية — صفحة 197
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٩٧