والخلاصة ، إن وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي لا يدل على العموم ، فإنهمستفاد من دال آخر ، وهو حكم العقل ولا فرق في ذلك بين وقوع النكرة فيسياق النفي أو النهي أو المعرفة ، كقولنا : « لاتكرم الفقير » ، فإنه كقولنا : « لاتكرمفقيراً » ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، إن العقل لا يحكم بتعدد الجعل بعدد أفراد النكرة في الخارجبنحو العموم والشمول إذ لاحكم للعقل في هذه المرحلة بل هو يحكم بأن النهي إذاتعلق بطبيعة فلا يمكن امتثاله إلّا بترك الطبيعة المنهي عنها ، وتركها لا يمكن إلّا بتركجميع أفرادها لأن الطبيعة توجد بإيجاد فرد منها في الخارج ، وهذا بخلاف الأمرالمتعلق بالطبيعة ، فإنه يدل على أن المطلوب هو إيجادها ، وهو يتحقق بإيجاد فردمنها ، وإن شئت قلت : إن النهي المتعلق بالطبيعة نهي واحد ، وحيث إنه يقتضيالانزجار والاجتناب عنها ، ومن الواضح أن الاجتناب عنها لا يمكن إلّابالاجتناب عن جميع أفرادها ، لوضوح أنه لو ارتكب فرد منها لم يجتنب عنها ، بينما إذا كان الأمر متعلقاً بالطبيعة فإنه يكفي في الاتيان بها الاتيان بفرد منها لأنهاتتحقق بتحققه .
هذا إضافة إلى أن المراد من العموم في المقام هو دلالة الأداة على استيعاب تمامأفراد مدخولها ، وهو الطبيعة في الخارج وضعاً ، وأما كون الطبيعة ملحوظة بنحوالشمولية أو البدلية كما في موارد وقوعها متعلقة للأمر أو للنهي ، فليس من العمومفي محل الكلام ، وأيضاً تتوقف هذه الشمولية على الاطلاق ومقدمات الحكمة ، لأن العقل إنما يحكم بأن انتفاء الطبيعة لا يمكن إلا بانتفاء تمام أفرادها ، وأما أنهذه الطبيعة مطلقة أو مقيّدة ، فالعقل لا يحكم لا بالأولى ولا بالثانية ، فإذنلامحالة يتوقف اطلاقها على تمامية مقدمات الحكمة
المباحث الأصولية — صفحة 289
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٢٨٩