وأما المقدمة الثانية فلأنها تبتني على أن تكون وحدة الغرض المترتب على مسائل العلم وحدة ذاتية نوعية ، فإنها حينئذ تكشف عن وحدة ذاتية كذلك بين موضوعات المسائل ، وهذا بخلاف ما إذا كانت وحدته عرضية ، فإنها لا تكشف عن وحدة ذاتية بينها على أثر عدم علاقة التناسب بينهما ، وحيث أن وحدة الغرض وحدة عنوانية لا ذاتية ، كصون اللسان عن الخطأ في المقال وصون الفكر عن الخطأ في الإستنتاج وعنوان الاقتدار على الإستنتاج ونحوها ، فلا تكشف عن وحدة ذاتية ، لعدم المسانخة بينهما في الواقع .
ولنا تعليق على هذه المقدمة ، وتقريبه أنه لا شبهة في أن وحدة الغرض وحدة حقيقية ولها واقع موضوعي خارجي ، مثلا صون اللسان عن الخطأ في المقال الذي يمثل مطابقة الكلام للقوانين النحوية ، وصون الفكر عن الخطأ في الإستنتاج الذي يمثل مطابقة الفكر للواقع ، والقدرة على الاستنباط التي تمثل درجة الإجتهاد والنظر ، وغيرها جميعا من الأمور الواقعية الحقيقية ، وليست من الأمور الاعتبارية أو الإنتزاعية ، التي لا واقع لها في الخارج ما عدى اعتبار المعتبر أو منشأ انتزاعها .
وبكلمة ، أنه إن أريد من عنوانية الغرض أنه أمر اعتباري ، فيرده أنه خلاف المقطوع به ، وإن أريد منها أن عنوان الصون عن الخطأ وعنوان الاقتدار ونحوهما من العناوين الإنتزاعية مفهوما ، فهو وإن كان صحيحا إلا أنها منتزعة كذلك من منشأ واقعي حقيقي ، على أساس أن انتزاع عنوان صون اللسان عن الخطأ في المقال عن مسائل علم النحو ، لا يمكن بدون اشتراك تلك المسائل في جهة جامعة هي المؤثرة في هذا العنوان ، وانتزاع عنوان الاقتدار على الاستنباط مثلا عن مسائل علم الأصول دون غيره ، يدل على جهة جامعة مشتركة بين مسائله ،
المباحث الأصولية — صفحة 66
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٦٦