ذلك العصر .
فالنتيجة أنه لا أساس لهذا الوجه ، ولا مانع من الالتزام بأن عملية الوضع من صنع البشر ، لا بإلهام منه تعالى .
وأما ما ذكر من المبعدات للقول ببشرية الوضع تارة : بأن الانسان ما قبل اللغة البدائي كيف قدر على الالتفات إلى امكانية الاستفادة من الألفاظ ووضعها بإزاء المعاني لولا الإلهام من اللّه تعالى والتدخل منه بهذا الشأن .
وأخرى : بأن ظاهرة اللغة على ضوء النظريات المعروفة في تفسير الوضع ، تتطلب درجة بالغة من النضج الفكري والتطور الاجتماعي حتى تؤهل الانسان البدائي لفهم معاني التعهد والجعل والاعتبار .
وثالثة : بأن الانسان البدائي كيف قدر على التفاهم مع الآخرين والاتفاق على الأفكار ونقلها ؟
ورابعة : إنه كيف نفسر اتفاق مجموعة من الناس على لغة معينة ؟ وهل كان انقداح ذلك في أذهانهم من باب الصدقة ، أو كان بإلهام من اللّه تعالى ؟
فلا يمكن المساعدة عليه . إذ مصافا إلى أنها مجرد استبعاد بشأن القول ببشرية الوضع ، ولا تتضمن برهانا على بطلانه ، إنه يمكن التغلب على الجميع ، بتقريب أن اللّه تعالى بما أنه قد خصّ البشر بنعمة العقل والبيان ، فهو وإن كان منذ ظهوره على وجه هذه الكرة غير ملتفت إلى الاستفادة من الألفاظ واستخدامها في مجال التفهيم ، على أساس استغنائه عنها بالبديل منها ، وهو الوسائل الطبيعية ، كالإشارات وإراءة الصور والرسوم وتقليد الأصوات ، وغير ذلك من المنبهات الطبيعية ، ولكنه بعد نضجة فكريا وعقليا وتطوره اجتماعيا وتوسع متطلبات
المباحث الأصولية — صفحة 155
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٥٥