ولا واقع موضوعي لها يقينا وجزما .
وأما فرضية كون العملية إلهية في أول نشوء ظاهرة اللغة في حياة الانسان وأنها كانت بتدخل من اللّه تعالى على أساس أنه ليس بإمكان الانسان البدائي أن يدرك طريقة استخدام الألفاظ في مجال الاستفادة وكيفية نقل الأفكار بها إلى الآخرين ما لم تكن هناك عناية خاصة من اللّه تعالى وهي الإلهام بها ، فيكون إلهامه بها في العصر البدائي فاتحا الطريق أمام الانسان في المستقبل ، ليتعلم كيفية استخدامها ، وطرق الاستفادة منها فيه ، فأيضا لا يمكن الأخذ بها ، لأن هذه الفرضية مبنية على أن عملية الوضع عملية معقدة ، وليس بإمكان الانسان البدائي القيام بهذه العملية طالما لم ينضج فكريا وعقليا ولم يتطور اجتماعيا . ولكن قد مر أن عملية الوضع عملية ساذجة ، وبإمكان الانسان البدائي القيام بها . نعم ليس بإمكانه تحليل هذه العملية وأنها تكوينية أو اعتبارية . ولكن ذلك لا يمنع من قدرته على القيام بعملية الوضع بمفهومه العرفي اللغوي ، واستخدام الألفاظ على أساس ذلك في مجال نقل أفكاره وخواطره إلى الآخرين .
تحصل مما ذكرنا أمور :
الأول : أن الصحيح هو كون عملية الوضع من صنع البشر منذ نشوء ظاهرة اللغة في حياة الانسان ، بدون تدخل وعناية من اللّه تعالى مباشرة بالالهام ، لأن نعمة العقل والبيان التي خص اللّه تعالى البشر بها تكفي في تمكنه من القيام بها .
الثاني : أن القول بأن عملية الوضع من صنع اللّه تعالى لا يمكن المساعدة عليه ، وما استدل على هذا القول من الوجوه فقد مر أنها جميعا لا تتم ، ولا يدل شيء منها على أن الوضع إلهي .
الثالث : أن عملية الوضع كما أنها ليست بإلهية في تمام الأجيال والعصور ،
المباحث الأصولية — صفحة 157
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٥٧