وعليه فاعتبار الوحدة بينهما بتنزيل وجود اللفظ وجودا للمعنى ينافي اعتبار التعدد بينهما بجعل أحدهما دالا والآخر مدلولا .
وبكلمة : إن الوضع علقة بين وجود اللفظ ووجود المعنى ، وهي تقتضي المغايرة بينهما ، فلا تجتمع مع اعتبار الوحدة « 1 » .
ولنا تعليق على كلا الإيرادين .
أما الإيراد الأول ، فقد تقدم أن هذه البحوث بحوث لفظية تحليلية لا لغوية محضة ، إذ لا يواجه أحد الشك في أصل معنى الوضع ارتكازا ، ولا غموض فيه حتى لدى الصبيان والمجانين ، وإنما يواجه الشك في تحليله وبيان حده ، وهذا التحليل وإن كان خارجا عن أذهان عامة الواضعين والمستعملين ، إلا أن ذلك لا يمنع عن كونه معنى تحليليا للوضع ، لوضوح أن عجزهم عن تحليل معنى الوضع لا يدل على أنه ليس تحليلا لمعناه العرفي المرتكز في ذهن كل أحد .
وعلى الجملة فالبحث عن حقيقة الوضع وأنها حقيقة اعتبارية ونوع اعتباريتها ، أو التكوينية ونوع تكوينيتها بحث تحليلي لا لغوي ، فإذن هذا الإيراد منه قدّس سرّه في غير محله .
وأما الإيراد الثاني ، فلأن اعتبار وجود اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى في عالم الاعتبار ، لا ينافي تعددهما في عالم الخارج ، ولا يمنع عن كون أحدهما دالا والآخر مدلولا ، بل نفس هذا التنزيل يدل على التعدد ، لا أنه ينافيه .
وإن شئت قلت : إن تنزيل وجود اللفظ وجودا للمعنى ، إنما هو بهدف جعله حاكيا عنه ودالا عليه ، ولا يدل هذا التنزيل على الاتحاد لكي ينافي كون أحدهما
هامش
( 1 ) محاضرات في أصول الفقه 1 : 41 .