اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم بجعلها ، كما أنا ذكرنا أنه لا مانع من أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول ، ولا محذور فيه ، نعم وقوعه في الخارج بحاجة إلى دليل ، وعلى هذا فبامكان الواضع جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم به ، فإذا كان في مقام الوضع وكان جادا فيه تحقق الوضع ، ويترتب عليه أثره ، وهو صفة السببية بين اللفظ والمعنى .
وبكلمة ، إن عملية الوضع عملية إنشائية ، فإذا تحققت هذه العملية ترتب عليه آثارها التكوينية ، وهي الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى ، وهذه العملية كما تتحقق بالصيغة الأولى ، وهي تشبيه وضع اللفظ للمعنى بوضع العلامات الخارجية على المواقع المعينة ، كذلك تتحقق بهذه الصيغة ، وهي جعل الملازمة بين اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم به ، ومردّ الصيغة الأولى أيضا إلى ذلك روحا . والنكتة فيه أن الهدف من وراء عملية الوضع هو تحقق الملازمة والسببية التكوينية بين اللفظ والمعنى ، ولا فرق بين أن يكون تحققها وحصولها بالصيغة الأولى أو الثانية ، على أساس أن كلتا الصيغتين تتضمن عملية الإنشاء ، أي إنشاء الوضع وجعله ، فلذلك تشتركان روحا وجوهرا ، وإن كانتا مختلفتين لفظا وصيغة .
ودعوى أن موطن هذه الملازمة إما عالم الذهن أو الخارج ، ولا ثالث لهما ، وعلى كلا التقديرين لا يمكن جعلها وإنشاؤها ، أما على الأول فلأن الملازمة بين وجوديهما في عالم الذهن ملازمة تكوينية ، فلا يمكن انشاؤها بالجعل والاعتبار .
وأما على الثاني فأيضا الأمر كذلك ، لأن الملازمة بين وجوديهما في الخارج لو كانت فهي تكوينية ، فلا يمكن إيجادها بالجعل والاعتبار ، مدفوعة بأن موطن هذه الملازمة إنما هو عالم الاعتبار ولوح الواقع ، لا عالم الذهن ولا عالم الخارج ،
المباحث الأصولية — صفحة 126
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٢٦