ولهذا يكون المجعول به الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى ، لا بين وجوديهما في الذهن ولا في الخارج .
[ نظرية التنزيل ]
القول الثالث : أن حقيقة الوضع تنزيل وجود اللفظ منزلة وجود المعنى في عالم الاعتبار ، وتترتب عليه آثاره ، منها الانتقال إلى تصوره عند الإحساس باللفظ وتصوره .
بيان ذلك أن الموجود على نوعين : أحدهما : الموجود العيني ، كالجواهر والأعراض ، والآخر : الموجود الاعتباري . والوضع من النوع الثاني دون الأول ، لوضوح أنه ليس من مقولة الجوهر ولا العرض ، وعليه فلا بد من تفسيره بالتنزيل ، على أساس أن اللفظ مباين للمعنى ذاتا ووجودا ، وحينئذ فترتيب آثاره عليه التي منها انتقال الذهن إليه عند الإحساس به بحاجة إلى نوع اتحاد بين اللفظ والمعنى ، بتنزيل وجود اللفظ وجودا للمعنى بوجوده الخارجي ، لكي يترتب عليه انتقال الذهن منه إلى تصور المعنى عند تصوره ، وبذلك يتحقق صفة الدلالة للفظ .
وقد أورد السيد الأستاذ قدّس سرّه على هذا القول بوجهين :
أحدهما : أن تفسير الوضع بهذا المعنى ، تفسير بمعنى دقيق ومعقد ، وبعيد عن أذهان عامة الواضعين غاية البعد ، ولا سيما القاصرين منهم كالأطفال والمجانين ، فحقيقة الوضع حقيقة عرفية سهل التناول والمأخذ ، فلا تكون بهذه الدقة التي تغفل عنها أذهان الخاصة فضلا عن العامة .
وثانيهما : أن الغرض الداعي إلى الوضع هو استعمال اللفظ في المعنى ودلالته عليه تصورا أو تصديقا ، فالوضع يكون مقدمة للاستعمال والدلالة ، ومن الطبيعي أن الدلالة اللفظية إنما هي بين شيئين ، أحدهما دال والآخر مدلول ،