من أهل الفن ، مع أن معنى الوضع معنى عرفي ساذج ، وبإمكان كل أحد من أهل اللسان إدراكه والوصول إليه .
والجواب : أن معنى الوضع عرفا معنى بسيط ، فإن المتفاهم منه في العرف العام هو الربط والعلاقة بين طبيعي اللفظ والمعنى إجمالا بحيث يستتبع تصور الأول تصور الثاني ، ولا تعقيد فيه ، فإن التعقيد إنما هو في تحليل هذا الربط والعلاقة ، وأنها تكوينية أو اعتبارية ، وهل يمكن تخصيصها بالعالم بها أولا ؟
ومن الواضح أنه لا صلة لهذا التحليل العقلي المعقد بما هو المتبادر من الوضع عرفا على المستوى العام ، والمفروض أن الأثر ، وهو انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى مترتب على مفهومه العرفي ، ولا يرتبط بتحليله العقلي المعقد .
ونظير ذلك المعنى الحرفي ، فإن مفهومه العرفي واضح ولا تعقيد فيه ، والتعقيد إنما هو في تحليله العقلي الذي هو خارج عن المتفاهم العرفي ، ومن هنا تكون هذه البحوث بحوثا تحليلية لا لغوية صرفة .
فالنتيجة : أن ما علقه السيد الأستاذ قدّس سرّه على هذه النظرية لا يتم .
والصحيح في نقدها أن يقال : إنه إن أريد بالملازمة الواقعية بين طبيعي اللفظ والمعنى الملازمة بين تصوره في أفق الذهن وتصور المعنى ، فيرد عليه أن هذه الملازمة وإن كانت تكوينية ، إلا أنها معلولة للعلم بالوضع في المرتبة السابقة ومن آثاره التكوينية وغير قابلة للجعل ، فلا يمكن أن تكون معنى الوضع .
وإن أريد بها أنها مجعولة بنفس الوضع والجعل ، فيرد عليه أنه لا يعقل أن تكون الملازمة المذكورة ملازمة واقعية ، بداهة أن الجعل إذا كان اعتباريا ، يستحيل أن يكون المجعول أمرا واقعيا ، لأن الجعل عين المجعول ذاتا ، فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار ، كالإيجاد والوجود .
المباحث الأصولية — صفحة 116
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١١٦