الوضع الحقيقي يتقوم بثلاثة أركان : الموضوع والموضوع له والموضوع عليه ، فيرد عليه أن هذا المقدار من الاختلاف بينهما إنما هو من لوازم خارجية الوضع الحقيقي ، فإن الوضع فيه لا يمكن بدون الموضوع عليه ، وهذا بخلاف وضع اللفظ للمعنى ، فإنه حيث كان اعتباريا فلا يتطلب وجود الموضوع عليه في الخارج ، ومن الواضح أن التشبيه ليس من هذه الناحية ، بل التشبيه إنما هو في الكيفية والصياغة ، فكما أن وضع العلم على رأس الفرسخ للدلالة على مقدار محدد من المسافة ، ووضع الإشارة في موقع خاص للدلالة على وجود الخطر فيه ، وحيث إنه خارجي ، فيتوقف على وجود الموضوع عليه في الخارج ، فكذلك وضع اللفظ للمعنى للدالالة عليه ، وحيث إنه اعتباري ، فلا يتوقف على وجود الموضوع عليه في الخارج .
وبكلمة إن صياغة الوضع في كلا الموردين واحد ، فإن الواضع كما يضع الإشارة الحمراء على موضع معين ، أو العلم على رأس الفرسخ للدلالة على وجود الخطر فيه أو على مقدار المسافة ، كذلك يضع اللفظ للدلالة على معناه الموضوع له ، فالوضع في كلا الموردين من أجل هذه الغاية ، وهي الدلالة على المعنى المقصود ، غاية الأمر أن الوضع في الأول بما أنه خارجي فلا بد أن يكون في مكان ، وفي الثاني بما أنه اعتباري فلا يحتاج وجوده إلى ذلك .
وإن أريد به أن لازم هذا القول كون المعنى الموضوع له هو الموضوع عليه ، وهذا غير صحيح بل هو غلط ، فيرد عليه أنه لا مانع من اطلاق الموضوع عليه على المعنى الموضوع له ، غير أن الوضع إن كان خارجيا كان متوقفا على وجود الموضوع عليه في الخارج ، وإن كان اعتباريا ، كان متوقفا على وجود الموضوع عليه في عالم الاعتبار ، فإذن اطلاق الموضوع عليه على المعنى باعتبار أن اللفظ
المباحث الأصولية — صفحة 119
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١١٩