تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب القضاء — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
شرح
قلت : وجوب ردع الظالم عن ظلمه ووجوب نصرة المظلوم لا كلام فيه ، وهو ما يعبّر عنه في لسان الشرع « الأمر بالمعروف والنهي » عن المنكر ، ومورده : المعروف المعلوم كونه معروفاً ، والمنكر المعلوم كونه منكراً ، فليست مهمّة الناهي أو الآمر إلّا البعث والزجر ، بخلاف القضاء ؛ فإنّ الردع من لوازمه وليس بذاته عين حقيقة القضاء ؛ بل القضاء هو المصدر الذي يحدّد ما هو المعروف والمنكر في مصداقهما الخارجي والموضوع الجزئي ، وبه يتمّ الفصل بين المتنازعين اللذين يدّعي كلّ منهما أنّ الحقّ معه ، وأنّ المعروف إلى جانبه ، وأنّ خصمه هو صاحب المنكر ، فالقاضي هو الذي يحدّد الحقّ ويعيّن صاحب الحقّ خارجاً ومصداقاً ، وهذا هو الذي يستوجب أن تكون للقاضي سلطة يفقدها كلّ من الطرفين ، بخلاف النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ؛ فإنّ الناهي لا يتميّز بسلطة يفقدها المنهيّ ، ولا الآمر يتميّز بسلطة يفقدها المأمور . ومن هنا ، يرد السؤال في باب القضاء عن السبب الذي يجعل القاضي يتميّز بسلطة لا يملكها كلّ من الطرفين ، وعن المصدر الذي يخوّل للقاضي هذه السلطة التي لا يملكها الآخرون . وعلى هذا الأساس ، فلابدّ للقاضي من أن يتمتّع بسلطة شرعيّة تخوّله حقّ تحديد حرّيّات الآخرين والتحكّم في شؤون المتنازعين وإراداتهم ، فإن فَقَدَ المتصدّي لهذه السلطة ما يبرّرها ويسوّغها له ، كان ذلك بنفسه عملًا منكراً ، ولا يردع عن المنكر بمنكر مثله .