هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
« 1 » ، فإنّ صريح الآيتين : كون العقاب على خصوص الاكتناز المحرّم للذهب والفضّة ، الشامل لترك الزكاة قطعاً ، ومورد الآية : خصوص الأحبار والرهبان ، فلا يحتمل خروج المورد عن مدلولها بدعوى اختصاص الآية بخصوص من يكتنز الذهب والفضّة من المسلمين !
ثانياً : قوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
« 2 » يدلّ على اختصاص الحرمة بالمؤمنين ، لأنّ المراد " النكاح " هنا : ليس " العقد " ، بل المراد به : ذات " العمل الجنسيّ " ، والآية واضحة الدلالة على أنّ عمل الزاني والزانية محرّم على المؤمنين خاصّة .
والجواب على ذلك : أنّ هذا النوع من الاستدلال غريب وعقيم ، فإنّ اللقب لا مفهوم له وإثبات الشيء لا ينفي ما عداه ! فلو اختصّت الحرمة - أي شخص الحكم - هنا بالمؤمنين ، فإنّ ذلك لا يمنع عن دلالة العمومات الأخرى على حرمتها على المكلّفين عامّة ؛ كقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
« 3 » ، أو قوله تعالى :
وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً
« 4 »
.
مع أنّ من المحتمل - بل لعلّه الظاهر - : أنّ المراد من الحرمة هنا : الحرمة التكوينية لا التشريعيّة ؛ فإنّ هذا المعنى هو المناسب لصدر الآية ، فيكون معنى الآية : أنّ هذا العمل لشناعته لا يرتكبه إلا الزناة والمشركون ، أمّا المؤمنون فهم منزّهون عن ذلك لا يقتربون منه . فتكون الآية مطابقة في مضمونها الآيات الآخرى التي وردت في وصف المؤمنين وأنّ من أوصافهم التنزّه عن مثل هذه القبائح ؛ كقوله تعالى في الآية السابقة من سورة الفرقان :
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا
هامش
( 1 ) . سورة التوبة : 24 - 25 .
( 2 ) . سورة النور : 3 .
( 3 ) . سورة الإسراء : 32 .
( 4 ) . سورة الفرقان : 68 - 69 .