أبان اللّه عزّ وجلّ بهذا أنّ الموت أثر خلق ربّانيّ ، وأنّ الحياة أثر خلق ربّانيّ ، وقد سبق أن ظهر لنا أنّ الحياة تكون باتّصال الرّوح بالنّفس ، وأنّ الموت يكون بانفصال الرّوح عن النّفس ، ومعلوم أنّ الوصل مساو للفصل ، وكلّ منهما في الوجود عمل من أعمال الخلق الرّبّانيّ ، وذكر اللّه عزّ وجلّ أنّ كلّ نفس ذائقة الموت ، مهما كان حال هذه النّفس في كون اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، إذ كلّ نفس سوى اللّه خلق من خلقه .
وأبان اللّه عزّ وجلّ أنّ الغاية من خلق الموت والحياة ، بالنّسبة إلى النّاس ؛ ابتلاؤهم في ظروف الحياة الدّنيا ، وجاء في نصوص أخرى أنّ الجنّ مثل الإنس ابتلاء وجزاء ، وقدّم الموت على الحياة للإشعار بأنّ الموت تكون بعده الحياة الأخرى .
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا :
ليمتحنكم وليختبركم ويكشف بابتلائكم أيّكم أحسن عملا ، ويجازي كلّ فرد منكم بحسب درجته في عمله خلال رحلة امتحانه .
وطوى النّصّ ما يقابل عبارة :
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
وهي عبارة :
« وأيّكم أسوأ عملا » .
ومن المظهر والمطويّ وواقع حال الموضوعين موضع الامتحان ؛ نفهم أنّ ذوي الأعمال الحسنة يتفاضلون في الدّرجات من أدناها إلى قمّتها الّتي يصل إليها أئمّة المرسلين ، ونفهم أنّ ذوي الأعمال السّيّئة يتنازلون في الدّركات حتّى أخسّها وأحطّها ، الّتي ينحطّ إليها إبليس وشياطينه وأتباعه من مجرمي الإنس .
ونفهم من صفتي العدل والفضل للّه الرّبّ جلّ جلاله ؛ أنّ لكلّ أصحاب درجة من الجزاء بالفضل ما يلائم درجتهم ، وأنّ لكلّ أصحاب دركة من الجزاء بالعدل ما يلائم دركتهم .