أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ
( 30 ) : أي : بل ؛ أيقولون في تناقضاتهم وتخبّطهم في الظّلمات ، وهم يذيعون المفتريات لصدّ جماهير قومهم عن التّأثّر بالبيان القرآنيّ الرّبّانيّ : محمّد شاعر من الشّعراء نصبر عليه زمنا ، وننتظر أن تنزل به بعض حوادث الدّهر المهلكة المميتة ، وحينئذ نتخلّص منه ومن دعوته ، ويتفرّق الّذين آمنوا به واتّبعوه ، ولا يكون لهم في مجتمعنا تأثير ما ، لضعفهم وقلّتهم .
فقال اللّه جلّ جلاله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم معلّما :
قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ
( 31 ) : أي : قل لهم :
انتظروا بصبر موتي ، فإنّي معكم منتظر بصبر تحقيق وعد ربّي ، بأن ينصرني عليكم ، وبأن ينصر دعوتي حتّى تصل إلى كلّ قوم وكلّ أمّة ، وأن ينصر الّذين آمنوا بي واتّبعوني .
وكان أئمّة الكفر والشّرك في مكّة الّذين يروّجون هذه الإشاعات الإعلاميّة الباطلة ؛ يوصفون بأنّهم أهل الأحلام والعقول الرّاجحة ، فاقتضت الحكمة الرّبّانيّة ؛ أن يبيّن اللّه عزّ وجلّ أنّ إشاعاتهم الإعلاميّة ؛ تتنافى مع ما يوصفون به من أنّهم أهل أحلام وعقول راجحة ، فقال بأسلوب الاستفهام بين أمرين ، أحدهما مرفوض مستنكر ، والآخر هو الواقع الّذي يشهد له سلوكهم الجاحد للحقّ ، والظّالم له بطغيان :
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ
( 32 ) :
أي : بل ، بإضراب انتقاليّ ؛ أتأمرهم أحلامهم ( أي : عقولهم الرّاجحة ) بهذا الباطل ، الّذي يشيعونه عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما يتلوه عليهم من كتاب ربّهم الحقّ المعجز ، إنّ هذه الإشاعات لا تصدر عن ذوي عقول راجحة ، ونفوس ذات سلوك سويّ رشيد ، فهم إمّا أن يكونوا سفهاء ليس لهم عقول سليمة الإدراك ؛ وإمّا أن يكونوا ذوي نفوس باغية ظالمة مجرمة ،