تعرج صاعدة آثار التّدبير إليه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، وهو العليم بكلّ شيء قبل إنزال صحيفة التّدبير وبعد إنزالها ، وأثناء تنفيذ ما جاء فيها ، وبعد تنفيذ كلّ عنصر من عناصرها ، ولكنّ سنّته في كونه أن يكون كلّ تصريف فيه خاضعا لنظام الأسباب والمسبّبات ، وهو الفعّال الحقيقيّ في الكون من خلال قنوات الأسباب .
وصحيفة التدبير وعروج آثار ما جاء فيها إليه تبارك وتعالى ؛ تشمل أحداث زمن يوم مقداره ألف سنة ممّا يعدّ النّاس ، أي : نحو ( 36500 ) يوم من أيّام النّاس بحسب النّظام الشّمسيّ ، أو نحو ( 35400 ) يوم من أيّام النّاس بحسب النّظام القمري ، وهذا لجزء من الكون يبدأ من محيط السّماء العليا حتى مركز الأرض .
فعل « كان » في عبارة :
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ
يراد به الكينونة المستمرة .
هذا البيان يعلّمنا أن نتخذ تدبيرات محكمة لدولنا ولقضايانا العامّة يجري تنفيذها خلال سنوات عديدات ، وقد توصلت الدول إلى ما يسمّونه مثلا الخطّة الخمسيّة للإصلاح الاقتصادي أو لغيره من مشاريع .
قول اللّه تعالى متابعا بيان بعض صفاته وظواهر خلقه :
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
( 9 ) :
ذلِكَ :
أي : الرّبّ العليّ الأعلى البعيد جدّا بذاته عن إدراك كلّ ما خلق ومن خلق من ذوي الإدراك .
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ :
أي : عالم كلّ ما هو غيب عن مخلوقاته أو بعضهم ، وكلّ ما هو مشهود لهم .